أحمد بن علي القلقشندي

262

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الجاني على نفسه ، والحاني ( 1 ) على موضع رمسه ، والمفرّط في مصلحة يومه وغده بتذكير ( 2 ) عداوة أمسه . ولمّا كان من تقدّم بالمملكة الفلانية قد زيّن له الشيطان أعماله ، وعقد بحبال الغرور آماله ، وحسّن له التّمسّك بالتّتار الذين هم بمهابتنا محصورون في ديارهم ، مأسورون في حبائل إدبارهم ، عاجزون عن حفظ ما لديهم ، قاصرون عن ضبط ما استلبته السّرايا ( 3 ) المنصورة من يديهم ، ليس منهم إلَّا من له عند سيوفنا ثار ، ولها في عنقه آثار ، ومن يعلم أنّه لا بدّ له عندنا من خطَّتي خسف : إمّا القتل أو الإسار . وحين تمادى المذكور في غيّه ، وحمله الغرور على ركوب جواد بغيه ، أمرنا جيوشنا المنصورة فجاست خلال تلك الممالك ، وداست حوافر خيلها ما هنالك ، وساوت في عموم القتل والأسر بين العبد والحرّ والمملوك والمالك ، وألحقت رواسي جبالهم بالصّعيد ، وجعلت حماتهم كزروع فلاتهم منها قائم وحصيد ؛ فأسلمهم الشيطان ومرّ ، وتركهم وفرّ ، وماكرهم وماكر ، وأعلمهم أنّ موعدهم الساعة والساعة أدهى وأمرّ ، وأخلفهم ما ضمن لهم من العون ، وقال لهم : * ( إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ ) * ( 4 ) وكان الملك فلان ممّن تدبّر طرق النّجاة فلم ير إليها سوى الطَّاعة سبيلا ، وتأمّل أسباب النّجاح فلم يجد عليها غير صدق الانتماء دليلا ؛ فأبصر بالخدمة موضع رشده ، وأدرك بسعيه نافر سعده ، وأراه الإقبال كيف ثبتت قدمه في الملك الذي زلت عنه قدم من سلف ، وأظهر له الإشفاق على رعاياه مصارع من أورده سوء تدبير أخيه موارد التّلف ، وعرّفه التمسّك بإحساننا كيف احتوت يده على

--> ( 1 ) في حسن التوسّل « والجاثي » . ( 2 ) في حسن التوسّل « بتذكر » . ( 3 ) في حسن التوسّل « سرايانا » وهي أوضح . ( 4 ) الأنفال / 48 .