أحمد بن علي القلقشندي
254
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
موطن برّها ، وأهّلته الأقدار إلى جوار نبيّ هو خاتم الأنبياء وفاتح أمرها ، وأصبح للحكم في المدينة ، مستحقّا لما فيه من سكينة ، وتحصيل للعلم ومن حصّل العلم كان اللَّه معينه . فلذلك رسم أن يستقرّ . . . فليباشر منصبا جليلا في محلّ جليل ، وليعلم أنّ سائر الأمصار تغبطه وتحسده وما لمنصبه من مثيل ؛ أين يوجد سواه في كل سبيل ؟ من قاض هو بسيّد المرسلين نزيل ، ومن يصبح ويمسي جارا للمستجير في المحشر الطَّويل . فاحكم بين ناس طيبة بورع وتأصيل ، وتحرير في تحريم وتحليل ، واتّق اللَّه في كلّ فعل وقيل ، واستقم على الحقّ حذار أن تميل ؛ فصاحب الشّرع أنت منه قريب والنبيّ من اللَّه قريب وحبيب وخليل ، وماذا عسى أن نوصيه وهو بحمد اللَّه تعالى كالنّهار لا يحتاج إلى دليل . وأما الخطابة : فارق درج منبرها ، وشنّف الأسماع من ألفاظك بدرّها وحرّر ما تقوله من المواعظ فإن صاحب العظات يسمعك ، وتواضع للَّه فإنّ اللَّه يرفعك ؛ وهذا المرقى فقد قام فيه النبيّ الأميّ سيد الثّقلين ، ومن بعده الخليفتان قرّتا العين ، ومن بعدهما عثمان ذو النّورين ، وعليّ رضي اللَّه عنه أبو الحسنين ؛ فاخشع ، عند المطلع ، واصدع ، بما ينفع ، وانظر لما تقوله فإنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم هناك يسمع ، وقاضي المدينة وخطيبها يرجو أن ليس للشيطان فيه مطمع ؛ واللَّه تعالى يحوز له الخير ويجمع ، بمنّه وكرمه ! . الوظيفة الثالثة ( مشيخة الحرم الشريف ) وقد جرت العادة أن يكون له خادم من الخصيان المعبّر عنهم بالطَّواشيّة ، يعيّن لذلك من الأبواب السلطانية ، ويكتب له توقيع في قطع الثلث ب « المجلس الساميّ » بالياء مفتتحا ب « الحمد للَّه » .