أحمد بن علي القلقشندي

240

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

عنهم ما شرع ، وثوقا بأنّه من بيت كان أوّل هذا الدّين الحنيف من دلَّه ( 1 ) ، ومبدأ هذا الحقّ الظاهر ما أثّلته ومثّلته في سلفه الشريف بأقارب متّصله ؛ وأنّه هو المورث من الفخار ما ورثه عن آبائه الكرام ، المحدّث عن كرم الجدود بما لا يحقر له جوار أو يخفر ذمام ، المشرق من الأسرة العلويّة بدرا تماما ، المحدق به من الكواكب العلويّة ما يظن به أبا تسمّى وابنا تسامى ، المنتخب من آباء صدق أحسن في ديارهم الصنيع ، وحفظ من حسبهم الكريم ما أوشك أن يضيع ، واستضاء بلامعة من هدى سلفه السابق ، وهامعة من ندى ما يرويه السّحاب عن الجود والبرق عن المهارق ، تهتزّ بمقدمه المدينة سرورا ، وتفترّ رباها منه بنسب كأنّ على نسبه من شمس الضّحى نورا ، ويتباشر ما بين لابتيها ( 2 ) بمن يحمي حماها ، ويحيّي محيّاها ، وتتشوّف منه ربا كلّ ثنيّة إلى ابن جلادها ، وطلَّاع ثناياها ، مع ما لا يجحد من أنّ له فيها من أبيه حقّ الوراثة ، وأنّه لما كان هذا ثاني المسجدين احتاج إلى ثاني اثنين تعظيما للواحد وفرارا من الثّلاثة ، ليكون هو ومن فيها الآن بمنزلة يدين كلتاهما تقبل الأخرى ، وأذنين كلتاهما توعي درّا ، وعينين ما منهما إلا ما يدرك أمرا بعيدا ، وفرقدين لا يصلح أن يكون أحدهما فريدا ، وقمرين لا يغلَّب أحدهما على الآخر في التّسمية بالقمرين ، وعمرين وكفى شرفا أن لا يوجد في الفضل ثالث للعمرين . فرسم بالأمر الشريف العاليّ ، المولويّ ، السلطانيّ ، الملكيّ ، الفلانيّ - زاد اللَّه به المواطن شرفا ، وزاد به البواطن الشريفة حبّا وشغفا - أن يفوّض إليه نصف الإمرة بالمدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، شريكا

--> ( 1 ) أي من هديه . ( 2 ) اللابتان هما حرّتان للمدينة المنورة تكتنفانها . وفي الحديث أنه حرّم ما بين لابتي المدينة . قال أبو عبيدة : لوبة ونوبة للحرة الَّتي ألبستها حجارة سود ، ومنه قيل للأسود لوبيّ ونوبيّ . وجمع لابة لابات ، فإذا كثرت فهي اللَّاب واللَّوب . وفي حديث عائشة وصفت أباها بأنه بعيد ما بين اللابتين ، أرادت أنه واسع الصدر . ( انظر : جنى الجنّتين للمحبّي : ص 98 ولسان العرب : مادة « لوب » ) .