أحمد بن علي القلقشندي
218
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ولما كانت قلعة الكرك المحروسة هي هذه العقيلة الَّتي كم ردّت آمال الملوك راغمة ، ومنعت أهواء النّفوس أن تمثّلها في الكرى الأجفان الحالمة ، وكان فلان ممّن ينهض مثله بحفظ مثلها ، ويعلم أنّ أمانتها الَّتي لا تحملها الجبال قد أودعت منه إلى كفئها ووضعت كفايتها في أهلها ؛ فهو سيفنا الَّذي يحوطها ذبابه ، ووليّنا الَّذي من طمح بصره إلى أفق حلَّه أحرقه شهابه ، ونشو أيّامنا الَّتي تنشّيء كلّ ليث يقنص الظَّفر ظفره وينبو بالسيوف نابه ، وغذيّ دولتنا الذي ما اعتمدنا فيه على أمر إلَّا كرم به نهوضه وحسن فيه منابه - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نخصّها بمهابة سيفه ، ونحصّنها بما فيه من قوّة في الحقّ تكفّ كلّ باغ عن حيفه . فلذلك رسم بالأمر الشّريف - لا زالت الحصون المصونة تختال من ملكه في أبهى الحلل ، وتعلو معاقل الكفر بسلطانه علوّ ملَّة الإسلام على الملل - أن تفوّض إليه نيابة السلطنة الشريفة بالكرك المحروس تفويضا يعلي قدره ، ويطلع في أفقها بدره ، ويطلق في مصالحها سيفه بالحقّ وقلمه ، ويمضي في حمايتها أفعاله وكلمه ، ويسدّد في أمورها آراءه المقرونة بالصّواب وهممه . فليباشر هذه الرّتبة العليّة صورة ومعنى ، المليّة إذا طاولت الكواكب بأن لا يعلم [ منها ] ( 1 ) أسمى وأسنى ، وليجتهد في مصالحها اجتهادا يوالي له من شكرنا المنح ، ويأتي فيه من مواضينا بالغرض المقترح ، ويزيدها إلى حصانتها حصانة وقوّة ، ويزينها بسياسته الَّتي تغدو قلوب أهل العناد بمخافتها مغزوّة ، ولينظر في مصالح رجالها فيكون لحماتهم مقدّما ، ولمقدّميهم مكرما ، ولأعذارهم مزيحا ، ولخواطرهم بتيسير مقرّراتهم مريحا ، وليكن لمنار الشّرع الشريف معظَّما ، ولأحكامه في كل عقد محكَّما ، ولما قرب وبعد من بلاد نيابته عامرا ، ولأكفّ الجور عن الرعية كافّا : فلا يبرح عن الظَّلم ناهيا وبالعدل آمرا ؛ وملاك الوصايا
--> ( 1 ) في الأصل « لها » .