أحمد بن علي القلقشندي

199

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

التفويض ما خاب المستخير ، ولا ندم المستشير ، والَّذي يفرده استحقاقه بهذه الرتبة فلا يقول أحد من كبير ولا صغير امتثالا للمراسيم الشّريفة في حقّه : « منّا أمير ومنكم أمير » - اقتضى جميل الرأي المنيف ، أن خرج الأمر الشريف - لا برح يحسن التّعويل ، ويهدي إلى سواء السبيل ، ويمضي مضاء القضاء المنزّل والسيف الصّقيل - أن تفوّض إليه نيابة السلطنة المعظمة في مملكة كذا وكذا . فليقدّم خيرة اللَّه قائلا وفاعلا ، ومقيما وراحلا ، وموجّها ومواجها ومسجّلا وساجلا ، وعالما وعاملا ، ومعتمدا على اللَّه في أمره كلَّه . وليكن من هذه المعرفة قريبا ، وعلى كلّ شيء حتّى على نفسه رقيبا ؛ وإذا اتّقى اللَّه كفاه اللَّه الناس ، وإن اتقى الناس لم يغنوا عنه من اللَّه شيئا فليقس على هذا القياس ، ويقتبس هذا الاقتباس . وأما الوصايا فالعساكر المنصورة هم مخلب الظَّفر وظفره ، وبهم يكشف من كل عدوّ سرّه ، ويخلَّى وطنه ووكره ، ويضرب زيده وعمره ، ويبدّد جمعه ، ويساء صنعه ، ويعمى بصره ويصمّ سمعه ، وهم أسوار تجاه الأسوار ، وأمواج تندفع وتندفق أعظم من اندفاق البحار ، وما منهم إلا من هو عندنا لمن المصطفين الأخيار ؛ فأحسن استجلاب خواطرهم ، واستخلاب بواطنهم وسرائرهم ، واستحلاب الشائع ( 1 ) من طاعاتهم في مواردهم ومصادرهم ؛ وكن عليهم شفوقا ، وبهم في غير الطاعة والاستعباد رفوقا ، وأوجب لهم بالجهاد والاجتهاد حقوقا ، واصرف لهم حملا لأعباء المهمّات والملمّات مطيقا ، واستشر منهم ذوي الرأي المصيب ، ومن أحسن التّجريب ، ومن تتحقّق منه النّصح من الكهول والشيب ، ممن كلل بغيرة منه ما شبّ فإنّ المرء كثير بأخيه ، وإذا اجتمعت غصون في يد أيّد عست ( 2 ) على قصفه وقصف كلّ واحدة فواحدة لا يعييه .

--> ( 1 ) في الأصل « السامع مع من » وهو تحريف . والتصحيح من الطبعة الأميرية . ( 2 ) عسى القضيب : يبس . والأيّد : القويّ .