أحمد بن علي القلقشندي

183

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فوائده قدوم الغمام على الرّوض الماحل ، ويل هذا المنصب الَّذي هو فيه بين عدل ينشره ، وحقّ يظهره ، وباطل يزهقه ، وغالب يرهقه ، ومظلوم ينصره . وليكن أمر أموال الأيتام المهمّ المقدّم لديه ، وحديث أوقاف البرّ من أوّل وأولى ما يصرف فكره الجميل إليه ، ويتعاهد كشف ذلك بنفسه ، ولا يكتفي في علمه فعل اليوم باطَّلاعه [ على أمره ] ( 1 ) في أمسه ؛ وهو يعلم أنّ اللَّه يجعله بذلك مشاركا للواقفين في الأجر المختصّ بهم والشّكر المنسوب إليهم ، خارجا من العهدة في أمر اليتامى باستعمال الذين يخشون لو تركوا من خلفهم ذرّيّة ضعافا خافوا عليهم ؛ وليقم منار الحق على ما يجب وإن سرّ قوما وساء قوما ، ويقم بالعدل على ما شرع : فإنّ « عدل يوم خير للأرض من أن تمطر أربعين يوما » . وأمّا ما عدا ذلك من أحوال الحكم وعوائده ، وآداب القضاء وقواعده ، فكلّ ذلك من خصائصه يستفاد ، ومن معارفه يستزاد ؛ وملاك ذلك كلَّه تقوى اللَّه وهي من أطهر حلاه الحسنة ، وأشرف صفاته الَّتي تتداولها الألسنة ؛ فليجعلها وسيلة تسديده في القول والعمل ، وذخيرة آخرته التي ليس له في غيرها أمل ، ويقلد العلى فيما حدّثته من أسباب نقلته فإن كمال العزّ في النقل ؛ واللَّه تعالى يمدّه بموادّ تأييده وقد فعل ، ويجعله من أوليائه المتّقين وقد جعل ، بمنّه وكرمه ، إن شاء اللَّه تعالى . قلت : وعلى ذلك تكتب تواقيع القضاة الثلاثة الباقين . ومنها : وكالة بيت المال . وهذه نسخة توقيع من ذلك ، وهي : الحمد للَّه الَّذي عمر بيت مال المسلمين بسداد وكيله ، ونموّ تحصيله

--> ( 1 ) في الأصل « عليه بأمره » والتصحيح من هامش الطبعة الأميرية .