أحمد بن علي القلقشندي
16
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الشامية الَّتي هي واسطة عقد الممالك ، ومجتمع ما يفضي إلى مواطن النّصر من المسالك ، ومركز فلك الأقاليم الَّذي تنتظم عليه بروج ثغورها ، ونقطة دائرة الحصون الَّتي منها مادّتها وعليها مدار أمورها ، وغيل ( 1 ) ليوث الحرب الَّتي كم أنشبت أظفار أسنتها في طرّة ظفر ، ومواطن فرسان الوغى الَّتي كم أسفر عن إطلاق أعنّتها إلى غايات النّصر وجه سفر ، وأن نرتاد لكفالة أمورها ، وكفاية جمهورها ، وحماية معاقلها المصونة وثغورها ، وزعامة جيوشها ، وإرغام طارقي أطرافها من أعداء الدين وثلّ عروشها ، من جرّده الدّين فكان سيفا على أعدائه ، وانتقاه حسن نظرنا للمسلمين فكان التوفيق الإلهيّ متولَّي جميل انتقاده وانتقائه ، وعجمنا عود أوصافه فوجدناه قويّا في دينه ، متمكَّنا في طاعته بإخلاص تقواه وصحّة يقينه ، متيقّظا لمصالح الإسلام والمسلمين في حالتي حركته وسكونه ، آخذا عنان الحزم بيسر يسراه وسنان العزم بيمن يمينه ، واقفا مع الحق لذاته ، مقدّما مشاقّ الجهاد على سائر مآربه ولذّاته ؛ ماضيا كسيفه إلَّا أنه [ لا ] ( 2 ) يألف كالسيف الجفون ( 3 ) ، راضيا في راحة الآخرة بمتاعب الدّنيا ومصاعبها فلا يرعى في مواطن الجهاد إذا حلَّها أكناف الهوينا ولا روض الهدون ( 4 ) ، مانعا حمى الإسلام لا « حمى الوقبى بضرب » يفرّق بين أسباب الحياة و « * يؤلَّف بين أشتات المنون * » ( 5 )
--> ( 1 ) الغيل : موضع الأسد ، والجمع : غيول وأغيال . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية ؛ وهي لازمة . ( 3 ) الجفن للعين معروف . والجفن : غمد السيف . ( 4 ) هدن هدونا : سكن . والهدان : النوّام الَّذي لا يصلَّي ولا يبكّر في أعماله ؛ والجمع : هدون . ( 5 ) من شعر منسوب لأبي الغول الطَّهويّ : هم منعوا حمى الوقبى بضرب يؤلَّف بين أشتات المنون والوقبى ( وفي بعض الروايات بفتح القاف والباء ) ماء لبني مازن ( وفي رواية أخرى لبني مالك بن مازن ) . وقوله : يؤلف بين أشتات المنون ، أراد أن هذا الضرب جمع بين منايا قوم متفرقي الأمكنة . ( انظر لسان العرب : 1 / 802 ومعجم البلدان : 5 / 380 ) .