أحمد بن علي القلقشندي

154

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ويروى نبأ الفتح عن تجربته في مصالح الإسلام وتجريده ، ويروى حدّه إذا قابله عدوّ الدّين من قلب ( 1 ) قلبه وموارد وريده . نحمده على نعمه السابغة حمد متعرّض لمزيده ، ونشكره على مننه السّائغة شكر مستنزل موادّ تأييده ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة مقرّ بتوحيده ، مسرّ مثل ما يظهر من الخضوع لكبرياء تقديسه وتمجيده ، مصرّ على جهاد من ألحد في آياته بنفسه وجنوده ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أشرف من دعت دعوته الأمم إلى الاعتراف بخالقها بعد جحوده ، وأنجز لأمّته من الاستيلاء على الكفر سابق وعوده ، وأمال به عمود الشّرك فأهوى إلى الصّعيد بعد صعوده ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين ما منهم إلا من بذل في طاعة اللَّه وطاعته نهاية مجهوده ، وأطفأ نار الكفر بعد وقودها بإيقاد لهب الجهاد بعد خموده ، صلاة تقترن بركوع الفرض وسجوده ، وتقام أركانها في أغوار الوجود ونجوده ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ أولى ما أجملنا في مصالحه النّظر ، وأعملنا في ارتياد الأكفاء له بوادر الفكر ، واخترنا له من الأولياء من كان معدودا من خواصّنا ، محبوّا بمزيد تقريبنا ومزيّة اختصاصنا ، أمر الأموال الدّيوانيّة بالمملكة الحلبيّة وتفويض شدّ دواوينها المعمورة إلى من تضاعفها رتبته المكينة ، ونزاهته المتينة ، ويده الَّتي هي بكمال العفّة مبسوطة ، وخبرته الَّتي بمثلها يحسن أن تكون مصالح الدولة القاهرة منوطة ، ومنزلته الَّتي تكفّ عن الأموال الأطماع العادية ، ومهابته الَّتي تكفي الأولياء من ضبط الأعمال بما يروي الآمال الصّادية ، لأنّها موادّ الثّغور الَّتي ما برحت عن شنب النّصر مفترّة ، وأمداد الجيوش الَّتي جعل اللَّه لها أبدا على أعدائه الكرّة ، ورياض الجهاد الَّتي تجتنى منها ثمرات الظَّفر الغضّة ، وكنوز الملك الَّتي ينفق منها في سبيل اللَّه القناطير المقنطرة من الذّهب والفضّة .

--> ( 1 ) جمع قليب وهو البئر . والاستعمال على الاستعارة .