أحمد بن علي القلقشندي

152

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الحمد للَّه معلي قدر من تحلَّى بالأمانة والصّون ، ورافع مكانة من كان فيما عرض من العوارض نعم العون ، ومؤهّل من أرشدنا إليه للاجتباء حسن الاختبار ، ومبلَّغ الإيثار من شكرت عنه محامد الآثار . نحمده حمد الشّاكرين ، ونشكره شكر الحامدين ، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة مخلص في اعتقاده ، مبرّإ من افتراء كلّ جاحد وإلحاده ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الَّذي أرسله بالحقّ بشيرا ونذيرا ، وأيّده بسلطان منه وطهّر [ به ] ( 1 ) الأرض من دنس الضّلال تطهيرا ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا يزال علم العلم بها منشورا ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ العناية بالحصون توجب أن لا يختار لها إلا من هو مليّ بحفظها ، موفّر [ لها ] ( 2 ) من حسن الذّبّ غاية حظَّها ، حسن المرابطة ، مبرّأ من دنس الأفعال السّاقطة ؛ ذو قلب [ قويّ ] ( 3 ) وقالب ، وعزم ما زال لمهمات الأمور أشجع مغالب ؛ إذ هو للمرابطين بها أوثق حرز حريز ، وأصون حجاب لمبارزة ذوي التّبريز ، [ فتصبح به ] ( 4 ) مستورا عوارها ، كاتمة لأسرارها أسوارها ، تخاطب منازليها من مجانيقها بأبلغ لسان ، وتشافه ملاجيها ( 5 ) من أنفة أنفها إلا أنه بأعلى مكان . ولما كانت القلعة الفلانية بهذه المنزلة الرّفيعة ، والمكانة الَّتي كلّ مكانة بالنّسبة والإضافة إلى علوّ مكانها المكانة الوضيعة - اخترنا لها وابتغينا ، واستوعبنا بالتّأهيل لنيابتها ولم نترك في استيعابنا ولا أبقينا ، فلم نجد لولايتها كفأ إلا من نظمت عقود هذا التّقليد لتقليده ، ورتّلت سور هذه المحامد بمبديء لسان تقريظه ومعيده ؛ إذ هو أوثق من يلقى إليه إقليدها ( 6 ) ، وأكفأ من ينجز به موعودها ؛ إذ كان المكين ، والثّقة المتحلَّي إذ كان التحلَّي مما يزين العاطل

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 3 ) الزيادة يقتضيها السياق . ( 4 ) الزيادة يقتضيها السياق . ( 5 ) من لاجّ خصمه : تمادى معه في الخصومة . ( 6 ) الإقليد : المفتاح .