أحمد بن علي القلقشندي
148
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وكفت من كفر ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الَّذي أنزل سكينته عليه ، وزويت ( 1 ) له الأرض فرأى منها ما يبلغ ملك أمّته إليه ، وعرضت عليه كنوز الدّنيا فأعرض عمّا وضع من مقاليدها بيديه ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين رضي اللَّه عنهم ، ونهضوا بما أمروا به من طاعة اللَّه وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر منهم ، صلاة دائمة الظَّلال ، آمنة شمس دوامها من الزّوال ، وسلَّم تسليما كثيرا . أمّا بعد ، فإن أولى من طوّقت أجياد الممالك بفرائد أوصافه ، وفوّقت إلى مقاتل العدا سهام مهابته الَّتي تحول منهم بين كلّ قلب وشغافه ، وخصّت به أمّ الثّغور الَّتي درّ لها حلبها ، ومدّت عليها أفياء النّصر الممدودة ذوابلها وقضبها ، وأهدى أرج التّبلَّج افترارها وشنبها - من تقوم مهابته مقام الألوف ، وتجتني سمعته من ذوابل العزائم ثمر النّصر المألوف ، ويسبق خياله سرايا خيله الَّتي هي أسرى من هوج الرّياح إلى هزم الجموع وتفريق الصّفوف ، وتنظم أسنّة رماحه في الوغى قلوب العدا نظم السّطور وتنثر صفاحه رؤوسهم نثر الحروف ، وتحيط بنطاق الممالك المتطرّفة صوارمه إحاطة الأسوار بالحصون ، والخمائل بالغصون ، والهالات بالأقمار ، والجوانح بالأسرار ، ولا تبيت ملوك العدا منه إلَّا على وجل ، ولا يرى في الأمن إلا في درع مضاعفة « لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل » ( 2 ) ، ولا يخفى عن ألمعيّته ما يضمر الأعداء من الحركات قبل إظهارها ، ولا ببعد على عزماته ما هي مليّة به من بدارها أعداء الدّين بدارها ، وإذا جلس لنشر المعدلة تبرّأ الظلم من فكر [ جواز ] ( 3 ) البغي والجور على إنسان ، وشفع ما تصدّى من ذلك بما أمر اللَّه به من العدل والإحسان . ولما كان الجناب العالي الفلانيّ هو الَّذي ملئت قلوب العدا برعبه ،
--> ( 1 ) أي طويت ، وجمعت ، وقبضت . ( 2 ) راجع ص 146 من هذا الجزء ؛ حاشية رقم : 1 . ( 3 ) بياض بالأصل .