أحمد بن علي القلقشندي
145
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الفضاء المتّسع ، وتسدّ عليهم مجال الأرض الفسيحة فيغدو لهم حزنها ( 1 ) الحزن الشّامل وسهلها السّهل الممتنع . فليتقلَّد هذه الرتبة الَّتي بمثلها تزهى الأجياد ، وبتقلَّدها يظهر حسن الانتقاء لجواهر الأولياء والانتقاد ، وبتفويضها إلى مثله يعلم حسن الارتياد لمصالح البلاد والعباد ، وليزد جيوشها المنصورة إرهابا لعدوّهم ، وإرهافا لصوارم الجهاد في رواحهم وغدوّهم ، وإدامة للنّفير ( 2 ) الذي حبّبه اللَّه إليهم ، وقوّة على مجاوريهم من أهل النّفاق الذين يحسبون كلّ صيحة عليهم ( 3 ) ، فإنّهم فرسان الجلاد الذين ألفوا الوقائع ، وأسوار الفرات الذين عرفوا في الذّبّ عن ملَّتهم بحفظ الشّرائع ، وكشّافة الكرب الذين لا يزال لهم في سائر بلاد العدا سرايا وعلى جميع مطالع ديار الكفر طلائع ؛ وهم بتقدمته تتضاعف شجاعتهم ، وتزيد استطاعتهم وطاعتهم ؛ وليأخذهم بمضاعفة الأهب وإدامة السّعي في حفظ البلاد والذّب ، والتشبّه بأسود الغابات الَّتي همّها في المسلوب لا السّلب ؛ وليهتمّ بكشف أحوال عدوّ الإسلام ليبرح ( 4 ) آمنا على الأطراف من حيفهم ، متيقّظا لمكايدهم في رحلتي شتائهم وصيفهم ، مفاجئا في كلّ منزل بسير يروّع سربهم ، ويكدّر شربهم ، ويجعل روح كلّ منهم من خوف قدومه نافرة عن الجسد ، ويسلبهم بتوقّع مفاجأته القرار « ولا قرار على زأر من الأسد » ، ولا تزال قصّاده بأسرار قلوب الأعداء مناجية [ ولا تبرح له من أعيان عيونه بين العدا فرقة ناجية ] ( 5 ) وليحتفل بتدريج الحمام الَّتي هي رسل أعنّته ، وإقامة الدّيادب الذين إذا دعوا همهمة بألسنة النّيران لبّتهم ألسنة أسنّته ؛ وليمت قلوب أعدائه بوجل
--> ( 1 ) الحزن من الأرض : ما غلظ . ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى : انْفِرُوا خِفافاً وثِقالًا . سورة التوبة / 41 . ( 3 ) إشارة إلى قوله تعالى في سورة « المنافقون » - آية : 4 يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ . ( 4 ) كذا بالأصل ، وهي لا تؤدي المعنى المراد . ولعلّ الصواب « ليبقى » . ( 5 ) الزيادة مما يأتي قريبا ليستقيم الكلام .