أحمد بن علي القلقشندي
143
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بمواقع مهابته وإنصافه ، وريعت قلوب العدا بطروق خياله قبل خيله ، وخاف الكفر كلّ شيء أشبه ظباه من توقّد شموس نهاره أو حكى أسنّته من تألَّق نجوم ليله ، ومدّ على الممالك من عزماته سور مصفّح بصفاحه ، مشرّف بأسنّة رماحه ، سامية على منطقة الجوزاء منطقة بروجه ، نائية على أمانيّ العدا مسافة رفعته فلا يقدر أمل باغ على ارتقائه ولا رجاء طاغ على ولوجه - من تمهّدت بسداد تدبيره الدّول ، وشهدت بسير محاسنه السّير الأول ، وتوطَّدت الممالك على أسنّته فحقّقت أنّ أعلى الممالك ما يبنى على الأسل ، وسارت في الآفاق سمعته فكانت أسرى من الأحلام وأسبق من الأوهام وأسير من المثل ، وصانت الثّغور صوارمه فلم يشم برقها إلا أسير أو كسير ، أو من إذا رجع إليها بصره انقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير ، وزانت الأقاليم معدلته فلا ظلم يغشى ظلامه ، ولا جور يخشى إلمامه ، ولا حقّ تدحض حجّته ولا باطل يعلو كلامه ؛ فالبلاد حيث حلّ بعدله معمورة ، وبإيالته مغمورة ، وسيوف ذوي الأقلام وأقلامهم بأوامره في مصالح البلاد والعباد منهيّة ومأمورة . ولما كان الجناب العالي هو الَّذي عانق الملك الأعزّ نجاده ، واللَّيث الَّذي لم يزل في سبيل اللَّه إغارته وإنجاده ، والكميّ الَّذي كم له في جهاد أعداء اللَّه من موقف صدق يضلّ فيه الوهم وتزلّ فيه القدم ، والهمام الَّذي إن أنكرت أعناق العدا مواقع سيوفه « فما بالعهد من قدم » ، والمقدام الَّذي لا ننكر مشاهده في إرغام الكفر ولا تكفر ، والزعيم الَّذي حمت مهابته السّواحل فخاف البحر : وهو العدوّ الأزرق ، من بأسه الأحمر ، على بني الأصفر ، والمقدّم الَّذي كم ضاقت بسرايا شيعته الفجاج ، ! وكم أشرقت نجوم أسنّته من أفق النّصر في ظلم العجاج ، ! وكم حمى العذب الفرات على البعد بسيوفه وهي مجاورة للملح الأجاج ! ! ، مع سطوة أنامت الرّعايا في مهاد أمنها ، ورأفة عمرت البرايا بعاطفة إقبالها ويمنها ، ورفق تكفّل لسهل البلاد وحزنها بإعانة مزنها ، وشجاعة أعدّت الجيوش الَّتي قبله فغدت آحادها ألوفا ، وفتكات عوّدت الطَّير الشّبع من وقائعه فباتت على راياته عكوفا ، ومعدلة عمّت من في إيالته فأضحى الضّعيف في