أحمد بن علي القلقشندي
139
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
لا تملّ السيوف عواتقهم ، وصنف سيوفهم تحبس بها مناطقهم ؛ والعرب أكرم [ أهل ] ( 1 ) البوادي ، وأعظم قبائلهم تضرّما كالبرق مباراة للسّحب الغوادي ، قد نصبوا بقارعة الطريق خيامهم ، وسرّحوا مع أسراب الظَّباء سوامهم ، ووقفوا دون الممالك المحروسة كتائب مصفوقة ، ومواكب بما تعرف به العرب من الشّجاعة موصوفة ؛ وزبيد من أفخرها قبيلة ، وأكثرها فوارس : [ فأمّا أحسابها ] ( 2 ) فكريمة وأمّا وجوهها فجميلة ؛ شاميّة أعرقت أنسابا في يمنها ، وأتهمت بشطء ( 3 ) أسنّتها ما تفتّح في المجرّة من سوسنها ؛ فما يبيت بطل منهم على دمن ، ولا يعرف فارس إلا إذا تملَّى في الخليطين ( 4 ) من شام ومن يمن ؛ كم فيهم بمواقع الطَّعان فطن ذو كيس ، وكم صبغ منهم بالدّماء راية حمراء يمنيّ لا ينسب إلى قيس ؛ كم كرب على معديكرب منهم فارس ، ونسب إلى زبيد وهو خشن الملابس ؛ منهم صاحب الصّمصامة ( 5 ) بقي مثلها السّيف فردا ، وكم قتل من أقرانه الشّجعان من أخ صالح وبوّأه في العجاج بيديه لحدا ؛ ومن نجومهم الزواهر السّراة ، وغيومهم الأكابر السّراة ، من لم يزل حول دمشق وما يليها من حوران ، منارة منازل وأوطان ؛ حاموا عن جنابها المصون ، وحاموا حول غوطتها تشبّها بحمائمها على الغصون ، وماثلوا بسيوفهم أنهارها ، ورماحهم حول دوحات الأيك أشجارها ، واستلأموا ( 6 ) بمثل غدرانها دروعا ، وحكوا بما أطلَّوا من دماء الأعداء شقائق روضها ، وبما جرّوا من حللهم المسهّمة ( 7 ) سيلا ؛ ولم يزل لهم من البيت
--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 3 ) الشّطء : فرخ الشجر ، وورقه أول ما يبدو . وفي التنزيل العزيز كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَه . ( 4 ) الخليط يقال للجار والقريب والصاحب . ( 5 ) هو عمرو بن معديكرب الزبيدي . وما يلي ذلك إشارة إلى أبياته المشهورة : ليس الجمال بمئزر فاعلم وإن ردّيت بردا كم من أخ لي صالح بوّاته بيديّ لحدا ذهب الذين أحبهم وبقيت مثل السيف فردا ( شرح ديوان الحماسة : ص 90 ) . ( 6 ) أي اتخذوا الأمة ، وهي عدة الحرب من رمح وسيف ودرع وغيرها . ( 7 ) سهّم الثوب : صور فيه سهاما ، فهو مسهّم .