أحمد بن علي القلقشندي

114

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

لأنهم إذا رأوا منكرا أزالوه بيديهم ؛ كم هجموا على عدوّ من أعداء اللَّه هجمة طيف ! ، وكم استطالوا بسكَّين لا يتطاول إلى مباراتها سيف ! ، وكم أوقدوا لهم بارقة عزم فقيل : هذه سحابة صيف ! ، وكم ورّدوا بالدّماء خدّا غدا ينادي : يا كرام الورد ضيف ! . وكانت مصياف - حرسها اللَّه تعالى - هي كرسيّ هذه المملكة ، وقلعتها هي الَّتي بذوائب الجوزاء متمسّكة ؛ واقتضت مراسمنا المطاعة نقل النائب بها إلى ما رسمنا به الآن ، فخلت ممّن يترقّى فيها إلى أعزّ مكان ، واحتاجت إلى من تغنى به عما يقال : من اعتقال رمح وتجريد سنان . فحصل الفكر الشريف فيمن نقلَّده هذه النّيابة ، ويتقلد أمر هذه العصابة ، ويتصرّف في أمورها بمقتضى ما ترد به مراسمنا المطاعة ، ويعلم أنّه من شيعتنا : لأنّه داعينا في هذه الجماعة ؛ فرأينا أنّ أحقّ [ الناس بها ] ( 1 ) من قدّمه ولاؤه ، وعظَّمه انتماؤه ، ونبّه عليه اهتمام هممه الَّتي لا تشابهها الكواكب في سيرها ، وعزائمه الَّتي طالما كان بها في خدمتنا الشريفة « يظلّ بموماة ( 2 ) ويمسي بغيرها » ؛ ولم تزل به مساعيه حتّى وصل إلى المزيد ، وأسرع له الشّيب في طاعتنا الشّريفة : لأنّه في كلّ وقت [ كان ] ( 3 ) يسمع قعقعة لجام البريد ؛ وكان فلان هو الَّذي أشار إليه القول بوصفه ، ودلّ عليه ثناؤه بعرفه . فرسم أن تفوّض إليه النيابة بمصياف وأعمالها ، على عادة من تقدّمه وقاعدته . فليقدّم تقوى اللَّه تعالى فيما ولَّيه ، ولينشر جناح عدلنا الشريف على من يليه ، وليعمل بالأحكام الشّرعية في كل ما يقضيه ، وليسلك في أهلها أوضّح المراشد ، وليبيّن لهم أنّه يدعوهم إلى سبيل الرشاد إلا ما ادعاه راشد ، وليوصّل إلى المجاهدين أرزاقهم الَّتي هي أثمان نفوسهم ، وثمار ما دنّى القطاف من رؤوسهم . وأهل من مات أو يموت منهم على طاعتنا الشّريفة فكن عليهم

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الموماة : المفازة الواسعة . وقيل : هي الفلاة الَّتي لا ماء بها ولا أنيس ؛ وهي جماع أسماء الفلوات . ( انظر اللسان : 12 / 566 ) . ( 3 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .