أحمد بن علي القلقشندي

21

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ودرس ؛ جانيا لما بذر السلف المبارك واغترس ، طاهر النّشأة وقورها ، محمود السّجيّة مشكورها ، متحلَّيا بالسّكينة ، حالَّا من النّزاهة بالمكانة المكينة ، ساحبا أذيال الصّون ، بعيدا عن الاتصاف بالفساد من لدن الكون ، فخطبته الخطط العليّة ، واغتبطت به المجادة الأوّليّة ، واستعملته دولته التي ترتاد أهل الفضائل للرّتب ، وتستظهر على المناصب بأبناء التّقى والحسب ، والفضل والمجد والأدب ، ممن يجمع بين الطارف والتالد والإرث والمكتسب ؛ فكان معدودا من عدول قضاتها وصدور نبهائها ، وأعيان وزرائها ، وأولي آرائها . فلمّا زان اللَّه خلافته بالتمحيص ، المتجلَّي عن التخصيص ، وخلص ملكه الأصيل كالذهب الإبريز من بعد التخليص ، كان ممن صحب ركابه الطالب للحق بسيف الحق ، وسلك في مظاهرته أوضح الطَّرق ، وجادل من حادّه بأمضى من الحداد الذّلق ، واشتهر خبر وفائه بالغرب والشّرق ، وصلَّى به صلاة السفر والحضر ، والأمن والحذر ، وخطب به في الأماكن التي بعد بذكر اللَّه عهدها ، وخاطب عنه - أيده اللَّه - المخاطبات التي حمد قصدها ، حتّى استقلّ ملكه فوق سريره ، وابتهج منه الإسلام بأميره وابن أميره ، ونزل السّتر على العباد والبلاد ببركة إيالته ويمن تدبيره ، وكان الجليس المقرّب المحلّ ، والحظيّ المشاور في العقد والحلّ ، والرسول المؤتمن على الأسرار ، والأمين على الوظائف الكبار ، مزيّن المجلس السلطانيّ بالوقار ، ومتحف الملك بغريب الأخبار ، وخطيب منبره العالي في الجمعات ، وقاريء الحديث لديه في المجتمعات . ثم رأى - أيده اللَّه - أن يشرك رعيته في نفعه ، ويصرف عوامل الحظوة إلى مزيد رفعه ، ويجلسه مجلس الشارع صلوات اللَّه وسلامه عليه لإيضاح شرعه ، وأصله الوثيق وفرعه ؛ وقدّمه - أعلى اللَّه قدمه ، وشكر آلاءه ونعمه - قاضيا في الأمور الشرعية ، وفاصلا في القضايا الدينية ، بحضرة غرناطة [ العلية ] ( 1 ) حرسها

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .