أحمد بن علي القلقشندي

85

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

القاضب ، وظلّ أمير المؤمنين الممدود ، ومورد نعمته المورود ، والمقدّم في نفسه وما نؤخّره إلَّا لأجل معدود ؛ نصرته حين تناصر أهل الضّلال ، وهاجرت إليه هاجرا برد الزّلال وبرد الظَّلال ، وخضت بحار الأهوال ، وفي يدك أمواج النّصال ؛ وها في جيدك اليوم عقد جواهر منّه ونظم لآل ، بل قد بلغت السماء وزيّنت منك بنجوم نهار لا نجوم ليال ، وكشفت الغمّاء وهي مطبقة ، ورفعت نواظر أهل الإيمان وهي مطرقة ، وعقصت أعنّة الطَّغيان وهي مطلقة ، وأعدت بحنكتك على الدولة العلويّة بهجة شبابها المونقة ، وأنقذت الإسلام وهو على شفى جرف هار ( 1 ) ، ونفذت حين لا تنفذ السّهام عن الأوتار ، وسمعت دعوته على بعد الدار ، وأبصرت حقّ اللَّه ببصيرتك وكم من أناس لا يرونه بأبصار ، وأجليت طاغية الكفر وسواك اجتذبه ( 2 ) ، وصدقت اللَّه سبحانه حين داهنه من لا بصيرة له وكذبه ، وأقدمت على الصّليب وجمراته متوقّدة ، وقاتلت أولياء الشيطان وغمراته متمرّدة ؛ وما يومك في نصرة الدولة بواحد ، ولا أمسك مجحود وإن رغم أنف الجاحد ؛ بل أوجبت الحقّ بهجرة بعد هجرة ، وأجبت دعوة الدين قائما بها في غمرة بعد غمرة ، وافترعت صهوة هذا المحلّ الذي رقّاك إليه أمير المؤمنين باستحقاقك ، وأمات اللَّه العاجزين بما في صدورهم من حسرات لحاقك ؛ وكنت البعيد القريب نصحه ، المحجوب النافذ بحجّته المذعورة أعداء أمير المؤمنين [ به ] ( 3 ) إن فوّق سهمه أو أشرع رمحه ؛ وما ضرّك أن سخطك أعداء أمير المؤمنين وأمير المؤمنين قد ارتضاك ، ولا أن منعك

--> ( 1 ) إشارة إلى الآية 109 من سورة التوبة : أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَه عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِه . قال في اللسان : وجرف الوادي ونحوه من أسناد المسايل إذا نخج ( صدم ) الماء في أصله فاحتفره فصار كالدّحل ( الحفرة والخرق ) وأشرف أعلاه ، فإذا انصدع أعلاه فهو هار ، وقد جرف السيل أسناده . والمراد على وجه الإجمال : وهو على شفير الهاوية . ( اللسان : 9 / 25 ) . ( 2 ) إشارة إلى شاور السعدي ، وزير العاضد ، الذي كان قد استعان بالصليبيين ضد صلاح الدين وشير كوه . وقد هاجم الصليبيون بلدة « بلبيس » بمصر وملكوها ، فكتب أهلها إلى أسد الدين شير كوه يستنجدونه ، فأقبل وطرد الفرنج ، ثم استطاع بالتعاون مع ابن أخيه صلاح الدين أن يقتل شاور ويرسل رأسه إلى الخليفة العاضد ، فدعاه العاضد وخلع عليه ولقبه بالملك المنصور وولاه الوزارة . وقد استمرت وزارته شهرين وخمسة أيام توفي بعدها فجأة سنة 564 ه . ( انظر ابن خلكان : 2 / 479 - 481 والأعلام : 3 / 183 والوزارة والوزراء في العصر الفاطمي : 289 - 290 ) . ( 3 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . وهي ضرورية لانتظام الكلام .