أحمد بن علي القلقشندي

71

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الدولة العبّاسية ؛ أبو الفتح « بيبرس » قسيم أمير المؤمنين : أعزّ اللَّه تعالى ببقائه حمى الخلافة وقد فعل ، وبلَّغ في بقاء دولته الأمل - هو الملك الذي انعقد الإجماع على تفضيله ، وشهدت مناقبه الطاهرة باستحقاقه لتحويل الملك إليه وتخويله ؛ وحكم التوفيق والاتّفاق بترقّيه إلى كرسيّ السلطنة وصعوده ، وقضت الأقدار بأن يلقي إليه أمير المؤمنين أزمّة عهوده ، والذي كم خفقت قلوب الأعادي عند رؤية آيات نصره ، ونطقت ألسنة الأقدار بأن سيكون مليك عصره وعزيز مصره ، واهتزّت أعطاف المنابر شوقا للافتخار باسمه ، واعتزّت الممالك بمن زاده اللَّه بسطة في علمه وجسمه ؛ وهو الذي ما برح مذ نشأ يجاهد في اللَّه حقّ جهاده ، ويساعد في كل معركة بمرهفات سيوفه ومتلفات صعاده ؛ ويبدي في الهيجاء صفحته للصّفاح فيقيه اللَّه ويبقيه : ليجعله ظلَّه على عباده وبلاده ، فيردي الأعداء في مواقف تأييده فكم عفّر من خدّ لملوك الكفر تحت سنابك جياده ؛ ويشفي بصدور سيوفه صدور قوم مؤمنين ، ويسقي ظماء أسنّته فيرويها من مورد وريد المشركين ؛ ويطلع في سماء الملك من غرر آرائه نيّرات لا تأفل ولا تغور ، ويظهر من مواهبه ومهابته ما تحسّن به الممالك وتحصّن الثّغور ؛ فما من حصن استغلقه الكفر إلا وسيفه مفتاحه ، ولا ليل خطب دجا إلا وغرّته الميمونة صباحه ؛ ولا عزّ أمل لأهل الإسلام إلا وكان في رأيه المسدّد نجاحه ، ولا حصل خلل في طرف من الممالك إلَّا وكان بمشيئة اللَّه تعالى وبسداد تدبيره صلاحه ؛ ولا اتّفق مشهد عدوّ إلا والملائكة الكرام بمظافرته فيه أعدل شهوده ، ولا تجدّد فتوح للإسلام إلا جاد فيه بنفسه وأجاد ؛ ( والجود بالنّفس أقصى غاية الجود ) . كم أسلف في غزو أعداء الدّين من يوم أغرّ محجّل ، وأنفق ما له ابتغاء مرضاة اللَّه سبحانه فحاز الفخر المعجّل والأجر المؤجّل ؛ وأحيا من معالم العلوم ودوارس المدارس كلّ داثر ، وحثّه إيمانه على عمارة بيوت اللَّه تعالى الجامعة لكلّ تال وذاكر : * ( إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ ) * ( 1 ) . وهو الذي ما

--> ( 1 ) التوبة / 18 .