أحمد بن علي القلقشندي

33

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ووساوس القلب العون منها والأبكار ؛ ما يقف فيه موقف المقصّر الغالط ، وينزل فيه منزلة الجاحد للنّعم الغامط ؛ وقد أمر اللَّه تعالى بها وفرضها على المؤمنين وأوجبها وحثّ من إقامتها ، على ما يفضي إلى صلاح المقاصد واستقامتها ؛ فقال عزّ من قائل : * ( فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ) * ( 1 ) . وأمره بالسّعي في أيام الجمع إلى المساجد الجامعة ، وفي الأعياد إلى المصلَّيات الضاحية ؛ بعد أن يتقدّم في عمارتها ، وإعداد الكسوة لها ؛ بما يؤدّي إلى كمال حلاها ، ويحظي من حسن الذكر بأعذب الموارد وأحلاها ؛ ويوعز بالاستكثار من المكبّرين فيها والقوّام ، وترتيب المصابيح العائدة على شمل جمالها بالاتّساق والانتظام : فإنها بيوت اللَّه تعالى التي تتلى بها آياته ، وتعلى فيها أعلام الشّرع وراياته . وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير المؤمنين ، ولوليّ عهده العدّة للدّين ؛ أبي القاسم عبد اللَّه بن محمد ابن أمير المؤمنين ( 2 ) ، أدام اللَّه تعالى به الإمتاع ، وأحسن عن ساحته الدّفاع ؛ ثم لنفسه جاريا في ذلك على ما ألف من مثله ، وسالكا منه أقوم مسالك الاهتداء وسبله ؛ وقد بيّن اللَّه تعالى ما في عمارتها من دلائل الإيمان ، والفوز بما يعطي من سخط اللَّه تعالى أوثق الأمان ، في قوله سبحانه : * ( إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ وأَقامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إِلَّا الله فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) * ( 3 ) . وقال في الحثّ على السعي إلى الجوامع التي يذكر فيها اسمه ، ويظهر عليها منار الإسلام ورسمه : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ الله ) * ( 4 ) .

--> ( 1 ) النساء / 103 . ( 2 ) هو المقتدي بأمر اللَّه ، أبو القاسم ، عبد اللَّه بن ذخيرة الدين محمد بن القائم بأمر اللَّه . بويع له بالخلافة سنة 467 ه . وتوفي سنة 487 ه . ( فوات الوفيات : 2 / 219 ومآثر الإنافة : 2 / 1 والجوهر الثمين 1 / 197 وهو في المرجع الأخير : عبد اللَّه بن ذخيرة الدين أحمد ) . ( 3 ) التوبة / 18 . ( 4 ) الجمعة / 9 .