أحمد بن علي القلقشندي
18
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
متنظَّفين في البزّة ؛ مؤدّين لفرائض الطَّهارة ، بالغين في ذلك أقصى الاستطاعة ( 1 ) ؛ معتقدين خشية اللَّه وخيفته ، مدّرعين تقواه ومراقبته ؛ مكثرين من دعائه - عز وجلّ - وسؤاله ، مصلَّين على محمد رسوله صلى اللَّه عليه وسلم وعلى آله ؛ بقلوب على اليقين موقوفة ، وهمم إلى الدّين مصروفة ، وألسن بالتسبيح والتقديس فصيحة ، وآمال في المغفرة والرحمة فسيحة ، فإنّ هذه المصلَّيات والمتعبّدات بيوت اللَّه التي فضّلها ، ومناسكه التي شرّفها ؛ وفيها يتلى القرآن [ ومنها ترتفع الأعمال ؛ وبها يلوذ اللائذون ] ( 2 ) ويعوذ العائذون ؛ ويتعبّد المتعبّدون ، ويتهجّد المتهجّدون ، وحقيق على المسلمين أجمعين : من وال ومولَّى عليه أن يصونوها ويعمروها ، ويواصلوها ولا يهجروها . وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير المؤمنين ثم لنفسه على الرّسم الجاري فيها ، قال اللَّه تعالى في هذه الصلاة : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ الله وذَرُوا الْبَيْعَ ) * ( 3 ) . وقال في عمارة المساجد : * ( إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ الله مَنْ آمَنَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ وأَقامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إِلَّا الله فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) * ( 4 ) . وأمره بأن يراعي ( 5 ) أحوال من يليه ، من طبقات جند أمير المؤمنين ومواليه ؛ ويطلق لهم الأرزاق ، في وقت الوجوب والاستحقاق ؛ وأن يحسن في معاملتهم ؛ ويجمل في استخدامهم ، ويتصرّف في سياستهم : بين رفق من غير ضعف ، وخشونة من غير عنف ؛ مثيبا لمحسنهم ما زاد بالإبانة في حسن الأثر ، وسلم معها من دواعي الأشر ؛ ومتغمّدا ( 6 ) لمسيئهم ما كان التغمّد له نافعا ، وفيه ناجعا ، فإن
--> ( 1 ) في مآثر الإنافة « الاستقصاء » . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن رسائل الصابي . ( 3 ) الجمعة / 9 . ( 4 ) التوبة / 18 . ( 5 ) في مآثر الإنافة « يرعى » . ( 6 ) أي ساترا لهفواته ومعايبه .