أحمد بن علي القلقشندي

116

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

« التعريف » ابتداءها بخطبة ، وهي : الحمد للَّه الذي أضفى [ على الإسلام ] ( 1 ) ملابس الشّرف ، وأظهر درره وكانت خافية بما استحكم عليها من الصّدف ، وشيّد ما وهى من علائه حتى أنسى ذكر ما سلف ، وقيّض لنصره ملوكا اتفق على طاعتهم من اختلف . أحمده على نعمه التي رتعت الأعين منها في الرّوض الأنف ( 2 ) ، وألطافه التي وقفت الشكر عليها فليس له عنها منصرف ؛ وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة توجب من المخاوف أمنا ، وتسهّل من الأمور ما كان حزنا ، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي جبر من الدّين وهنا ؛ وصفيّه الذي أظهر من المكارم فنونا لا فنّا ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله الذين أضحت مناقبهم باقية لا تفنى ، وأصحابه الذين أحسنوا في الدّين فاستحقّوا الزيادة من الحسنى . وبعد ، فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره ، وأحقّهم أن يصبح القلم ساجدا وراكعا في تسطير مناقبه وبرّه ، من سعى فأضحى بسعيه الجميل متقدّما ، ودعا إلى طاعته فأجاب من كان منجدا ومتهما ، وما بدت يد من المكرمات إلَّا كان لها زندا ومعصما ، ولا استباح بسيفه حمى وغى إلا أضرمه نارا وأجراه دما . ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالي ، المولوي ، السلطاني ، الملكيّ ، الظاهريّ ، الركنيّ ، شرفه اللَّه تعالى وأعلاه ، ذكره الديوان العزيز ، النبويّ ، الإماميّ ، المستنصريّ - أعز اللَّه تعالى سلطانه - تنويها بشريف قدره ، واعترافا بصنعه الذي تنفد العبارة المسهبة ولا تقوم بشكره ؛ وكيف لا ؟ وقد أقام الدولة العبّاسية بعد أن أقعدتها زمانة ( 3 ) الزّمان ، وأذهبت ما كان لها من محاسن

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الأنف : الجديد يوصف به المذكر والمؤنث . يقال : كلأ أنف وروضة أنف : لم ترع من قبل . ومنهل أنف : لم يورد . ( 3 ) يقال : زمن زامن أي شديد .