أحمد بن علي القلقشندي

94

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ولو كان النّساء كمن فقدنا لفضّلت النّساء على الرّجال والمولى أولى من عزّى نفسه ، واستحسن رداء الصبر ولبسه ، وعلم أنّ الموت غريم لا ينجي منه كثرة المطال ، ولا يدافع بالأطلاب والأبطال ، وأنه إذا طالب بذمّة كان ألدّ الخصام ، وإذا حارب فعل بيده ما لا تفعله الكماة بحدّ الحسام . الضرب السابع ( التعازي المطلقة مما يصلح إيراده في كلّ صنف ) من ذلك ، من ترسّل أبي الحسين ( 1 ) بن سعد : من صحب الأيام وتقلَّب في آنائها ، اعتورته أحداثها ، واختلفت عليه احكامها ، بين مسرّة ومساءة يعتقبان ، وفرحة وترحة يتناوبان ، [ وكان ] فيما تأتيه من محبوبها على غير ثقة من دوامه واتّصاله ، ولا أمن من تغيره وانتقاله ، حتّى تعقب السلامة حسرة ، وتستحيل النعمة محنة ، والسعيد من وفّق في كلّ حال لحظَّه ، وأعين على ما فيه سلامة دينه ، من الشّكر على الموهبة ، والصبر على النازلة ، وتقديم حقّ اللَّه تعالى في حال الغبطة والرّزيّة . ولم تكن بالفجيعة به مفردا عنّي وإن كان النّسب يقرّبه منك ، والرّحم تصله بك ؛ لما كنت أوجبه من حقّه ، وأرعاه من مودّته ، وأختصّه بالاعتداد فيه دون أداني أهلي والثّقة من إخواني ، فمضى رحمه اللَّه أقوى ما كان الأمل فيه ، وأكمل ما كان عليه في لبّه وأدبه ، واجتماع فهمه وكمال هديه ، وانتظام أسباب الخير وأدوات الفضل فيه . ومنه : لا ينكر للعبد أن يتناول مولاه عند وقوع المحنة في أهل خاصّته ، وتخوّن ريب المنون من حاشيته ، بالتعزية عن مصيبته ، والإخبار عما يخصّه من ألم فجيعته وعظم رزيّته ، لا سيّما إذا كان بحيث لا يرى شخصه في الباكين ، ولا تسمع صرخته بين المتفجّعين ، ولو سعيت على حدقتي . ومن ذلك :

--> ( 1 ) انظر الحاشية رقم 1 ص 5 من هذا الجزء من صبح الأعشى .