أحمد بن علي القلقشندي

77

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

واجتمع فيه إلى رقّة الصّبا ، وضعف الأسر والقوى ، اعتياد الرحمة ، ومخالفة الترفّه والتنقّل بين الشهوات ، على أن كلّ واحد من الأميرين شهد المعركة أعزل حاسرا ، وباشر الحرب مغرّرا مخاطرا ، فثبت لوقع السّلاح ، وصبر على ألم الجراح ، وأبلى بلاء الفارس المدجّج ، والكميّ ( 1 ) المقنّع ، ثم خرج خروج شبل الليث ، وفرخ العقاب ، كالقدح المعلَّى والشّهاب الساطع ، والنّجم الثاقب ، وكان فلان أكثرهما تغيّرا في وجه قرنه ، وسطوة على منازله ، وكلّ قد حصّل فوق الخصل ، وحوى فضيلة السّبق ، واستحقّ اسم البأس والشّدّة ، وحلية البسالة والنّجدة . ومن ذلك ما أورده أبو الحسين بن سعد في كتابه : الحمد للَّه الذي كساك باللَّحية حلَّة الوقار ، وردّاك رداء ذي السّمت من الأبرار والأخيار ، وصانك عن ميسم الصّبا ، ومطامع أهل الهوى ، بما جلَّلك من اللحية البهيّة ، وألبسك من لباس ذوي اللَّبّ والرّويّة ، وألحقك في متصرّفاته بمن يستقلّ بنفسه ساعيا ، ويستغني عمّن صحبه حافظا ، وجعل ما جمّل من صورتك ، وكمّل من أداتك وآلتك ، قرنا لمن جاذبك ، وخصما لمن نازعك ، ونفى عنك ذلَّة الاحتقار ، من أهل المراتب والأخطار ، تستوي [ بهم ] في المجالس الحافلة ، وتجري مجراهم في المشاهد الجامعة ، مسموعا قولك إذا قلت ، ومصغى إليك إذا نطقت ، آمنا من انصراف الأبصار عنك لقرب ولادك ، ومن [ عدم ] الاستماع لحديثك لقلَّة الثّقة بسدادك ، وجاريا مجرى كملة الرجال على الجملة ، إلى أن يكشف اللَّه مخابرك بالمحنة ، وتعطى المهابة من الدّاعر العادي ، ومن السّبع الضاري ، ولو كان عاريا من هذه الكسوة الشريفة ، والحلية الملحوظة ، لسيقت إلى الازدراء بالأعين ، والاستصغار بالقلوب والألسن ، أصناف الحيوان ، من البهيمة والإنسان ، ثم لا يحسّ من نفسه قوّة على الدّفع عنها ، ولا من صرعته ثباتا ( ؟ ) على يدها فيه . وتلك نعمة من اللَّه جل وعزّ حباك

--> ( 1 ) الكميّ : الشجاع ، أو لابس السلاح ، والجمع كماة . القاموس المحيط ( كمي ) .