أحمد بن علي القلقشندي

423

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

قلت : ومملكة الديار المصرية من حين الفتح الإسلاميّ وهلمّ جرّا إلى زماننا دائرة بين هذه الأقسام الثلاثة ، لا تكاد تخرج عنها ؛ فكانت في بداية الأمر « إمارة استكفاء » يولَّي عليها الخليفة في كلّ زمن من يقوم بأعبائها ، ويتصرّف في أمورها ، قاصر الولاية عليها ، واقف عند حدّ ما يرد عليه من الخليفة من الأوامر والنّواهي ، إلَّا ما كان في أيام بني طولون من الخروج عن طاعة الخلفاء في بعض الأحيان . فلمّا استولى عليها الفاطميّون واستوزروا أرباب ( 1 ) السّيوف في أواخر دولتهم ، وعظمت كلمتهم عندهم ، صارت سلطنتها « وزارة تفويض » . وكان الخليفة يحتجب والوزير هو المتصرّف في المملكة كالملوك الآن أو قريب منهم . وكانوا يلقّبون بألقاب الملوك الآن ، كالملك الأفضل رضوان وزير الحافظ ، وهو أوّل من لقّب بالملك منهم فيما ذكره المؤيّد صاحب حماة في تاريخه . والملك الصالح طلائع بن رزّيك وزير الفائز ثم العاضد . والملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادي وزير العاضد ، وابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيّوب وزير العاضد أيضا ، قبل أن يستقلّ بالملك ويخطب بالديار المصرية لبني العبّاس ببغداد . ولا نكر في تسمية الوزير ملكا ، فقد قيل في قوله تعالى في قصّة يوسف عليه السّلام : * ( وقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِه أَسْتَخْلِصْه لِنَفْسِي ) * ( 2 ) إنّ المراد بالملك الوزير لا الملك نفسه . ولما انتزعت من الفاطميين وصارت إلى بني أيّوب ( 3 ) ، وكانوا يلونها عن خلفاء بني العبّاس ، صارت « إمارة استيلاء » لاستيلائهم عليها بالقوّة ، واستبدادهم بالأمر والتدبير مع أصل إذن الخليفة وتقليده . وكان الرشيد قد لقّب « جعفر بن يحيى البرمكيّ » في زمن وزارته له بالسلطان ، ولم يأخذ الناس في التلقيب به . فلمّا تغلَّب الملوك بالشّرق على الخلفاء واستبدّوا عليهم ، صار لقب السلطان سمة لهم ،

--> ( 1 ) تقدم الحديث عن أرباب السيوف في الحاشية رقم 1 ص 252 من هذا الجزء . ( 2 ) سورة يوسف 12 ، الآية 54 . ( 3 ) بنو أيوب أكراد انتزعوا مصر من الفاطميين ، وقد تقدم الحديث عنهم في الحاشية رقم 3 ص 256 من هذا الجزء .