أحمد بن علي القلقشندي
391
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
* ( يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ) * ( 1 ) . يحمده أمير المؤمنين على ما منحه من طيب أرومة ( 2 ) سمت أصلا وزكت فرعا ، وحباه من شرف محتد ( 3 ) راق نظرا وشاق سمعا ، ووصله به من نعم آثرت نفّاعا وأثّرت نفعا ، ويشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة يتوارثونها كالخلافة كابرا عن كابر ، ويوصّي بها أبدا الأوّل منهم الآخر ، ويؤذن قيامهم بنصرتها أنّهم معدن جوهرها النّفيس ونظام عقدها الفاخر ، ويشهد أنّ سيّدنا محمدا عبده ورسوله ، الذي خصّ عمّه العباس بكريم الحباء وشريف الإنافة ، ونبّه على بقاء الأمر في بنيه بقول ضلّ من أظهر عناده أو أضمر خلافه ، حيث أسرّ إليه : « ألا أبشّرك يا عمّ بي ختمت النبوّة وبولدك تختم الخلافة » صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة تعمّ بركتها الولد والوالد ، ويشمل معروفها المعهود إليه ويعرف شرفها العاهد ، ويعترف بفضلها المقرّ ولا يسع إنكارها الجاحد ، ما نوّه بذكر الخلافة العباسيّة على أعواد المنابر ، وخفقت الرايات السّود على عساكر المواكب ومواكب العساكر ، وسلَّم تسليما كثيرا . هذا وكلّ راع مسؤول عن رعيّته ، وكلّ امريء محمول على نيّته ، مخبر بظاهره عن جميل ما أكنّه في صدره وما أسرّه في طويّته ، والإمام منصوب للقيام بأمر اللَّه تعالى في عباده ، مأمور بالنصيحة لهم جهد طاقته وطاقة اجتهاده ، مطلوب بالنظر في مصالحهم في حاضر وقتهم ومستقبله وبدء أمرهم ومعاده ، ومن ثمّ اختلفت آراء الخلفاء الراشدين في العهد بالخلافة وتباينت مقاصدهم ، وتنوّعت اختياراتهم بحسب الاجتهاد واختلفت مواردهم ، فعهد الصّديق إلى عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه متثبّتا ، وتركها عمر شورى في ستّة وقال : « أتحمّل أمركم حيّا وميّتا ! » وأتى رضي اللَّه عنه لكلّ من المذهبين بما أذعن له
--> ( 1 ) سورة يونس 10 ، الآية 71 . ( 2 ) الأرومة ، وتضم الهمزة : الأصل . القاموس المحيط ( أرم ) . ( 3 ) المحتد : الأصل ، والطبع . القاموس المحيط ولسان العرب ، مادة ( حتد ) .