أحمد بن علي القلقشندي

339

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

كلّ بعيد وقريب ، وإنّ اللَّه أمر بأوامر ونهى عن نواه وهو رقيب ، وتستفزع الأولياء لها السّجايا ، وتتضرّع الخطباء فيها بنعوت الوصايا ، وتكمّل بها المزايا ، ويتكلَّم بها الواعظ ويخرج من المشايخ الخبايا من الزّوايا ، وتسمر بها السّمّار ويترنّم الحادي والملَّاح ، ويروق شجوها في الليل المقمر ويرقم على جنب الصّباح ، وتعطَّر بها مكة بطحاءها وتحيا بحديثها قباه ، ويلقّنها كلّ أب فهم ابنه ويسأل كلّ ابن أن يجيب أباه ، وهو لكم أيّها الناس من أمير المؤمنين رشد وعليكم بيّنة ، وإليكم ما دعاكم به إلى سبيل ربّه من الحكمة والموعظة الحسنة ، ولأمير المؤمنين عليكم الطاعة ولولا قيام الرّعايا بها ما قبل اللَّه أعمالها ، ولا أمسك بها البحر ودحا الأرض وأرسى جبالها ، ولا اتفقت الآراء على من يستحقّ وجاءت إليه الخلافة تجرّ أذيالها ، وأخذها دون بني أبيه ولم تكن تصلح إلَّا له ولم يكن يصلح إلَّا لها ، وقد كفاكم أمير المؤمنين السّؤال بما فتح لكم من أبواب الأرزاق ، وأسباب الارتفاق ، وأحسن لكم على وفاقكم وعلَّمكم مكارم الأخلاق ، وأجراكم على عوائدكم ولم يمسك خشية الإملاق ، ولم يبق على أمير المؤمنين إلَّا أن يسير فيكم بكتاب اللَّه وسنة رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، ويعمل بما ينتفع به من يجيء - أطال اللَّه بقاء أمير المؤمنين - من بعده ، ويزيد على كل من تقدّم ، ويقيم فروض الحج والجهاد ، وينيم الرعايا بعدله الشامل في مهاد ، وأمير المؤمنين يقيم على عباده موسم الحجّ في كل عام ، ويشمل سكَّان الحرمين الشريفين وسدنة ( 1 ) بيت اللَّه الحرام ، ويجهّز السبيل على عادته ويرجو أن يعود إلى حاله الأوّل في سالف الأيّام ، ويتدفّق في هذين المسجدين بحره الزاخر ويرسل إلى ثالثهما البيت المقدّس ساكب الغمام ، ويقوم بقومة قبور الأنبياء - صلوات اللَّه عليهم - أين كانوا وأكثرهم في الشام ، والجمع والجماعات هي فيكم على قديم سننها ، وقويم سننها ، وستزيد في أيّام أمير المؤمنين بمن انضمّ إليه ، وبما يتسلَّمه من بلاد الكفّار ويسلم على يديه .

--> ( 1 ) السدنة ، بالفتح : جمع السادن ، وهو خادم الكعبة . لسان العرب ومختار الصحاح ، مادة ( سدن ) .