أحمد بن علي القلقشندي
319
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الأديان ، وجلا ( 1 ) بشرعته المنيرة من ظلمة الجهل سدفا ( 2 ) ، وجعل مبايعه مبايعا للَّه يأخذه بالنّكث ويوفّيه أجره على الوفا ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله الأطهار وعترته الشّرفا ، ورضي اللَّه عن أصحابه الذين ليس منهم من عاهد اللَّه فغدر ولا وادّ في اللَّه فجفا ، خصوصا من جاء بالصّدق وصدّق به فكان له قرابة وصفوة الصّفا ، والمرجوع إليه في البيعة يوم السّقيفة ( 3 ) بعد ما اشرأبّت نحوها نفوس كادت تذوب عليها أسفا ، والقائم في قتال أهل الرّدّة من بني ( 4 ) حنيفة حتّى استقاموا على الحنيفيّة حنفا ، ومن استحال دلو الخلافة في يده غربا فكان أفيد عبقريّ قام بأمرها فكفى ، وعمّت فتوحه الأمصار وحملت إليه أموالها فلم يمسكها إقتارا ولم يبذّر فيها سرفا . ومن كان فضله لسهم الاختيار من بين أصحاب الشّورى هدفا ، وجمع الناس في القرآن على صحيفة واحدة وكانت قبل ذلك صحفا ، ومن سرى إليه سرّ : « أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى » فغدا يجرّ من ذيل الفخار سجفا ، واستولى على المكارم من كلّ جانب فحاز أطرافها طرفا طرفا ، وعلى سائر الخلفاء الراشدين بعدهم ممّن سلك سبيل الحق ولطريق الهدى اقتفى ، صلاة ورضوانا يذهبان الداء العضال من وخامة الغدر ويجلبان الشّفا ، ويرفعان قدر صاحبهما في الدنيا ويبوّئان منتحلهما من جنّات النعيم غرفا . أما بعد ، فإنّ عقد الإمامة لمن يقوم بأمر الأمّة واجب بالإجماع ، مستند
--> ( 1 ) جلا ، أوضح وكشف . مختار الصحاح ( جلا ) . ( 2 ) السدف ، بفتحتين : الصبح ، وسواد الليل ، ضدّ . القاموس المحيط ( سدف ) والمقصود أنه بشرعته بدّد ظلمة الجهل . ( 3 ) أي سقيفة بني ساعدة ، وقد أسفر اجتماع السقيفة عن مبايعة أبي بكر خليفة ، وكان بعض كبار الصحابة يؤثرون علي بن أبي طالب كرّم اللَّه وجهه . انظر تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ص 4 وما بعدها ، والعقد الفريد ( ج 4 ص 257 - 260 ) ودراسة فلسفية لآراء الفرق الإسلامية في أصول الدين في علم الكلام ص 18 وما بعدها . ( 4 ) هم بنو حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل . انظر ج 1 من هذا المطبوع ص 339 .