أحمد بن علي القلقشندي

317

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وعقدها مبرم ، وموجبها طاعة وسمع ، والتقيّد بها سنّة وشرع ، ويعمرون بها أسرارهم ، ويفنون عليها أعمارهم ، ويدينون بها في عسر ويسر ، وربح وخسر ، وضيق ورفاهية ، ومحبّة وكراهية ، تبرعوا بذلك كلَّه طوعا ، واستوفوه فصلا فصلا ونوعا نوعا ، وعاهدوا عليها الذي يعلم السّرّ وأخفى ، وأضمروا منها على ما أبرّ على الظاهر وأوفى ، وتقبّلوا من الوفاء به ما وصف اللَّه به خليله إذ قال : * ( وإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) * ( 1 ) ، وأقسموا باللَّه الذي لا إله إلَّا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم ، وبما أخذه على أنبيائه الكرام من العهود المؤكَّدة ، والمواثيق المشدّدة ، على أنهم إن حادوا عن هذه السبيل ، وانقادوا لداعي التحريف والتّبديل ، فهم برآء من حول اللَّه وقوته إلى حولهم وقوّتهم ، تاركون ذمّته الوافية لذمّتهم ، والأيمان كلها لازمة لهم على مذهب إمام دار الهجرة ، وطلاق كل امرأة في ملك كل واحد منهم لازم لهم ثلاثا ، وأيّما امرأة تزوّجها في البلاد الفلانية فطلاقها لازم له ، كلَّما تزوّج واحد منهن واحدة خرجت طالقا ثلاثا ، وعلى كلّ واحد منهم المشي إلى بيت اللَّه الحرام على قدميه ، محرما من منزله بحجّة كفّارة لا تجزيء عن حجّة الإسلام ، وعبيدهم وأرقّاؤهم عتقاء لاحقون بأحرار المسلمين ، وجميع أموالهم عينا وعرضا ، حيوانا وأرضا ، وسائر ما يحويه المتملَّك كلَّا وبعضا ، صدقة لبيت مال المسلمين ، حاشى عشرة دنانير . كلّ ذلك على أشدّ مذاهب الفتوى ، وألزمها لكلمة التّقوى ، وأبعدها من مخالفة الهوى والظاهر والفحوى ، أرادوا بذلك رضا الخلافة الفلانية والفلانية ( بلقبي السلطنة ) للسلطان وولده المأخوذ لهما البيعة بعد بيعته ، وأشهدوا اللَّه على أنفسهم ، وكفى بذلك اعتزاما والتزاما ، وشدّا لما أمر به وإحكاما : و * ( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِه ) * ( 2 ) * ( ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ) * ( 3 ) . وهم يرفعون دعاءهم إلى اللَّه تضرّعا واستسلاما ، ويسألونه عصمة وكفاية افتتاحا

--> ( 1 ) سورة النجم 53 ، الآية 37 . ( 2 ) سورة الفتح 48 ، الآية 10 . ( 3 ) سورة الفرقان 25 ، الآية 68 .