أحمد بن علي القلقشندي

308

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

دانية ( 1 ) من الأندلس ، للرشيد بن المأمون الأمويّ ، وهو منتصب في الخلافة ؛ لخلف توهّمه من الرعية ، اقتصر فيها على تحميدة واحدة ، وليس فيها تعرّض لسلطان قائم بعقدها ، وهي : الحمد للَّه الذي أسبغ إنعامه باطنا وظاهرا ، وسوّغ إفضاله هاملا وهامرا ، وأعجز عن وصف إحسانه ناظما وناثرا ، وقهر الخلق ناهيا وآمرا ، وتعالى جدّه فلا ترى له مضاهيا ولا مظاهرا ، ولا موازيا ولا موازرا ، ونصر الحقّ وكفى به وليّا وكفى به ناصرا ، وجعل جدّ المطيع صاعدا وجدّ العصيّ عاثرا ، وحذّر من الخلاف باديا وحاضرا ، وماضيا وغابرا . نحمده سبحانه على نعمه حمد من أصبح لعلق الحمد ذاخرا ، ونشكره على مننه ولن يعدم المزيد منه شاكرا ، ونضرع إليه أن يجعل حظَّنا من بركة الاعتصام وافرا ، ووجه نيّتنا في الانتظام سافرا ، وأن يمنح أولياءه النصر ظاهرا والفتح باهرا ، وأعداءه الرّعب شاجيا والرّمح شاجرا ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه شهادة من أقرّ له بالوحدانيّة صاغرا ، وأضحى لأوامره ممتثلا ولنواهيه محاذرا ، ونسأله أن يجعل حزب الإيمان ظافرا ، ويمدّه بنصره طالبا للثار ثائرا ، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمد رسوله الذي انتخبه من صفوة الصّفوة كابرا فكابرا ، وجعله بالفضيلة أوّلا وبالرّسالة آخرا ، فأيقظ بالدّعاية ساهيا وناسيا وسكَّن بعد الإبانة منافيا ومنافرا ، وأذهب بنوره ليلا من الجهالة ساترا ، وقام بجهاد الكفرة ليثا خادرا ( 2 ) ، وباشر بنفسه المكاره دارعا وحاسرا ، وشهد بدرا مبادرا ، وحنينا منذرا بالخبر نادرا ، وظهر عليهم في كلّ المشاهد غالبا وما ظهروا نادرا ، وعلى آله وأصحابه الذين منهم صاحبه وخليفته ، المعلومة رأفته ، أبو بكر الذي اقتحم لهول الرّدّة مصابرا ، وسلّ في قتال الرّوم أهل الجلد والشّدّة سيفا باترا ، ومنهم

--> ( 1 ) دانية : مدينة بشرق الأندلس على البحر ، منها كان يخرج الأسطول إلى الغزو ، وبها ينشأ أكثره لأنها دار إنشائه . انظر الروض المعطار ص 231 - 232 . ( 2 ) أي مقيم في عرينه داخل في الخدر ، وخدر الأسد : بيته . لسان العرب ( خدر ) .