أحمد بن علي القلقشندي

306

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

يستخلفه بعده مثل فعل النبيّ ، وقد علم الإمام الحاكم - عليه السّلام - أنّ المراد بذلك من يأتي بعده ممن أولده أو أنسله ، لأنّ ولده حاضر والمقصود من لا ولد له ، فجعل ولاية عبد الرحيم العهد تأسيسا لما سيكون ، ونقلا للنّفوس من الانزعاج إلى أن تشملها الطَّمأنينة والسّكون . فلمّا أفضى اللَّه إلى الإمام المنصور أبي عليّ الإمام الآمر بأحكام اللَّه أمير المؤمنين بالخلافة الَّتي جعلها واجبا له حقّا ، ووافق جدّه - عليه السّلام - وكان لقبه من لقبه مشتقّا ، ظهر المنكتم ، ووضح المستتر ، وعاد التعريض تصريحا ، والتمريض تصحيحا ، والرّمز إبانة ، والنصّ على أمير المؤمنين أمانة ، فاقتدى بجدّه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في استخلاف أمير المؤمنين مع حضور عمومته ، وفعل في ذلك فعلته وجرى على قضيّته ، وكشف عمّا أبهمه الإمام الحاكم بأمر اللَّه قدّس اللَّه لطيفته فتساوى الخاصّ والعامّ في معرفته ، ثم حلَّه أمير المؤمنين محلّ نفسه في الجلوس على الأسمطة ( 1 ) ، وعمل لأوليائه ورعيّته في ذلك بالقضايا المحيطة ، ونصبه منصبه في الصلاة على من جرت عادته بالصلاة على مثله ، وجمع في اعتماد ذلك بين إحسانه وفضله وبين امتنانه وعدله ، وإذ قد تبيّن هذا الأمر الواضح الجليّ ، وتساوى في علمه الشانيء والوليّ ، وعلم هو ما خصّ اللَّه به أمير المؤمنين من الإمامة ، وأزاله عن العقول من ضباب متكاثف وغمامة ، وشمله به من فضله ورأفته ، ونصبه فيه من منصب خلافته الَّتي أيّدها بوليّه ووزيره ، وعضّدها بصفيّه وظهيره ، السيد الأجل أبي الفتح يأنس الحافظيّ الذي جعله اللَّه على اعتنائه بدولة أمير المؤمنين من أوضح الشواهد والدلائل ، وصرف به عن مملكته محذور الصّروف والغوائل ، وأقام منه لمناصحة الخلافة مخلصا جمع فيه أسباب

--> ( 1 ) الأسمطة : جمع سماط ، وهو هنا ما يمدّ عليه الطعام . معجم متن اللغة ( ج 3 ص 208 - 209 ) . وفي باب « المأكول والمشروب » قال القلقشندي ما نصّه : أعظم أسمطة السلطان تكون بالإيوان الكبير أيام المواكب ، يمدّ السماط بالإيوان الكبير من أوله إلى آخره بأنواع الأطعمة المنوّعة الفاخرة . والساقي هو الذي يتولَّى مدّ السماط وتقطيع اللحم وسقي المشروب بعد رفع السماط . انظر ج 4 من هذا المطبوع ص 56 وج 5 ص 454 .