أحمد بن علي القلقشندي
299
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وعمله ، ولم يترك في مرضاة خالقه مشقّة إلَّا احتملها ، ولا رويّة إلَّا صرّفها في إرشاد خلقه وأعملها ، حتّى بلغ الغاية المحدودة ، واستكمل الأنفاس المعدودة ، وأحسن اللَّه له الاختيار ، واثر له النّقلة من هذه الدار والزّلفى ( 1 ) بسكنى دار القرار ، والفوز بمصاحبة الأنبياء الأبرار ، والحلول في حظائر قدسه مع آبائه الأئمّة الأطهار ، فسار إليه طاهر السّريرة ، جميل المذهب والصّورة ، مستوجبا بسعيه أفضل رضوانه ، ممهّدا بالتقوى لتدبيره أكناف جنانه . وأمير المؤمنين [ يحتسب ] عند اللَّه هذه الرّزيّة الَّتي عظم بها المصاب ، وعظم عند تجرّعها الصّاب ، وأضرمت القلوب نارا ، وأجرت الآماق دما ممارا ( 2 ) ، وأطاشت بهولها الأكباد بالحرق ، وكحلت الأجفان بالأرق ، وكادت لهجومها الصدور تقذف أفئدتها ، والدنيا تنزع نضرتها وبهجتها ، وقواعد الملَّة تضعف وتهي ، والخطوب الكارثة تصرّ ( 3 ) ولا تنتهي ، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون ! ! تسليما لأمره الذي لا يدفع ، وإذعانا لقضائه الذي لا يصدّ ولا يمنع . وكان الإمام الفلانيّ لدين اللَّه أمير المؤمنين عند نقلته جعل لي عقد الخلافة ، ونصّ عليّ بارتقاء منصبها المخصوص بالإنافة ، وأفضى إليّ بسرّها المكنون ، وأودعني غامض علمها المصون ، وعهد إليّ أن أشملكم بالعدل والإحسان ، والعطف والحنان ، والرحمة والغفران ، والمنّ الرائق الذي لا يكدّره امتنان ، وأن أكون لأعلام الهدى ناشرا ، وبما أرضى اللَّه مجاهرا ، ولأحزاب القبلة مظافرا مظاهرا ، ولأعداء الملة مرغما قاهرا ، ولمنار التوحيد رافعا ، وعن حوزة الإسلام بغاية الإمكان دافعا ، مع علمه بما خصصت به من كرم الشّيم ،
--> ( 1 ) الزلفى : القربة والمنزلة ، ومنه قوله تعالى : وما أَمْوالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى . سورة سبإ 34 ، الآية 37 ومختار الصحاح ( زلف ) . ( 2 ) يقال : مار الدم يمور مورا : جرى ، وأماره : أساله . القاموس المحيط ( مور ) . ( 3 ) تصرّ : تدوم ؛ يقال : أصرّ على الشيء يصرّ إصرارا إذا لزمه وداومه وثبت عليه . لسان العرب ( صرر ) .