أحمد بن علي القلقشندي
291
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وقولك مثل طويّتك - وعلى أن لا ترجع عن شيء من حقوق هذه البيعة وشرائطها على مرّ الأيام وتطاولها ، وتغيّر الأحوال وتنقّلها ، واختلاف الأزمان وتقلَّبها - على أنّك في كلّ ذلك من أهل الملَّة الإسلامية ودعاتها ، وأعوان الدولة العبّاسيّة ورعاتها ؛ لا يداخل قولك مواربة ولا مداهنة ، ولا تعترضه مغالطة ولا تتعقّبه مخالفة ، ولا تخيس به أمانة ، ولا تغلَّه خيانة ، حتّى تلقى اللَّه تعالى مقيما على أمرك ، وفيّا بعهدك ، إذ كان مبايعو ولاة الأمور وخلفاء اللَّه تعالى في الأرض * ( إِنَّما يُبايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِه ومَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْه الله فَسَيُؤْتِيه أَجْراً عَظِيماً ) * ( 1 ) . عليك بهذه البيعة - الَّتي أعطيت بها صفقة يدك ، وأصفيت فيها سريرة قلبك ، والتزمت القيام بها ما طال عمرك ، وامتدّ أجلك - عهد اللَّه إنّ عهد اللَّه كان مسؤولا ، وما أخذه على أنبيائه ورسله وملائكته وحملة عرشه من أيمان مغلَّظة وعهود مؤكَّدة ، ومواثيق مشدّدة ، على أنك تسمع وتصغي ، وتطيع ولا تعصي ، وتعتدل ولا تميل ، وتستقيم ولا تحيد ، وتفي ولا تغدر ، وتثبت ولا تتغيّر ، فمتى زلت عن هذه المحجّة حاقرا لأمانتك ، ورافعا لديانتك ، فجحدت اللَّه تعالى ربوبيّته ، وأنكرته وحدانيّته ، وقطعت عصمة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وجذذتها ، ورميت طاعته وراء ظهرك ونبذتها ، ولقيت اللَّه يوم الحشر إليه ، والعرض عليه ، مخالفا لأمره ، وخائنا لعهده ، ومقيما على الإنكار له ، ومصرّا على الإشراك به ، وكلّ ما حلَّله اللَّه لك محرّم عليك ، وكلّ ما تملكه يوم رجوعك عن بذلك ، وارتجاعك ما أعطيته في قولك ، من مال موجود ومذخور ، ومصوغ ومضروب ، وسارح ومربوط ، وسائم ومعقول ، وأرض وضيعة ، وعقار وعقده ، ومملوك وأمة ، صدقة على المساكين ، محرّمة على مرّ السّنين ، وكلّ امرأة لك تملك شعرها وبشرها ، وأخرى تتزّوجها بعدها ، طالق ثلاثا بتاتا ، طلاق الحرج والسّنّة لا رجعة فيه ولا مثنويّة ، وعليك الحجّ إلى بيت اللَّه الحرام الذي بمكَّة ثلاثين دفعة
--> ( 1 ) سورة الفتح 48 ، الآية 10 . وقد تقدّم ذكر هذه الآية الكريمة ص 282 من هذا الجزء .