أحمد بن علي القلقشندي

268

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المقصود من غير تعريض بالأوّل . ومنها - أن يتخيّر الكلام والمعانيّ فإنه مما يشيع ويذيع ، ولا يعذر المقصّر في ذلك بعجلة ولا ضيق وقت ، فإنّ مجال الكلام متّسع ، والبلاغة تظهر في القليل والكثير . قلت : ومنها أن يحرص الكاتب على أن تكون نهاية السجعة الأولى في السّطر الأوّل أو الثاني ولا يؤخّرها عن ذلك . ومما كان يراعى في ذلك أن تكون الخطبة من أوّلها إلى آخرها على رويّ واحد في السّجع ، وكذلك الدعاء في أوّل صغار التواقيع والمراسيم المبتدأة بلفظ « رسم » بخلاف ما بعد ذلك إلى آخر ما يكتب ، فإنه يتّفق فيه رويّ السجعتين والثّلاث فما حولها ، ثم يخالف رويّها إلى غيره ، ولا يكلَّف الكاتب الإتيان بجميعها على رويّ واحد ، وعلى ذلك كانت طريقة فحول الكتّاب بالدولة التركية ، كالقاضي محيى الدّين ( 1 ) بن عبد الظاهر ، والشيخ شهاب الدين محمود الحلبي ، والمقرّ الشهابيّ بن ( 2 ) فضل اللَّه ، ومن عاصرهم إلَّا في القليل النادر ، فإنه ربّما وقع لبعضهم مخالفة رويّ الخطبة ، وإلى هذا قد جنح غالب كتّاب ديوان الإنشاء في زماننا ومالوا إليه ؛ لما في التزام الرّويّ الواحد في جميع الخطبة من التكلَّف وعسر التلفيق على من يتعاناه . ثمّ الكلام فيما يكتب في الولاية قد يكون جميعه بلفظ الغيبة ، مثل أن يقال : عهد إليه بكذا ، أو قلَّده كذا ، أو فوّض إليه كذا ، أو أن يستقرّ في كذا ، ونحو ذلك ، ثم يقال : وأمره بكذا ، أو ونحن نوصيه بكذا ، أو فعليه بكذا ، وما

--> ( 1 ) هو عبد اللَّه بن رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر بن نجده الجذامي المصري ، القاضي محيي الدين ، شيخ أهل الترسّل ، الكاتب الناظم الناثر . كان كاتب الإنشاء في الديار المصرية وآخر من برز في هذا الفن على أهل زمانه ، ومن مصنفاته « سيرة الملك الظاهر » . ولد سنة 620 ه ، وتوفي سنة 692 هبالقاهرة . انظر فوات الوفيات ( ج 2 ص 179 ) ، والنجوم الزاهرة ( ج 8 ص 38 ) والبداية والنهاية ( ج 13 ص 334 ) . ( 2 ) أنظر الحاشية رقم 1 ص 247 من هذا الجزء من صبح الأعشى .