أحمد بن علي القلقشندي
227
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
مساء وصباح ، والسلام . من كلام المتأخرين : كتب بعضهم إلى كمال الدّين بن الأثير ، وقد جاء إليه في بستانه فلم يجده ولا وجد من أنصفه : حضر المملوك البستان ، مستدنيا قطوف الإنعام والإحسان ، واستمطر سحائب فضله ، وهزّ إليه بجذع نخله ، فلم تتساقط عليه رطبا جنيّا ، فعلم أنه قد جاء شيئا فريّا ، فثّبت نفسه مع تصاعد الأنفاس ، والطمع ينشده ( كامل ) . ما في وقوفك ساعة من باس ( 1 ) فانطلق حتّى أتى القرية مستطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوه ، مستعطفا حاشيته الرقيقة فأبوا ( 2 ) حاشيته أن يستعطفوه ، وقال كلّ منهم : تطالب بالقرى كما تطالب بدينك ، ارجع حيث شئت هذا فراق بيني وبينك . وعلم أنه لو أقام بها جدارا لما أعطي عليه أجرا ، ولو حاول قرى لسمع من التوبيخ ما لم يستطع عليه صبرا ، فرجع بخفّي حنين ، بعد مشاقّ جرّعت كاسات الحين ، فأين هذه المعاملة مما نشيعه عنه من كريم الخلال ؟ وكيف نشكو نقص حظَّ وله كمال الإحسان وإحسان الكمال ؟ الأجوبة عن رقاع المداعبة قال في « موادّ البيان » : ينبغي للمجيب عن المداعبة أن يشتقّ من نفس الابتداء جوابا مناسبا لها ، وأن يبنيه متى أحبّ الأخذ بالفضل على المسامحة ، واطَّراح المناقشة ، والإغضاء عمّا يمضّ إبقاء على المودّة ، وتحسينا لقبح الصّديق ، وتعوّدا لعادة الحلم والاحتمال ، وأن يذهب في الجواب مذهب الاختصار ، وإيراد النّكت الرائعة كما في الابتداء ، على ما تقدّم .
--> ( 1 ) انظر الحاشية رقم 3 ص 195 من هذا الجزء . ( 2 ) كذا في النسخ ، وهو على لغة يتعاقبون فيكم ملائكة . حاشية الطبعة الأميرية .