أحمد بن علي القلقشندي
225
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
على خفّة الأحلام ، والرّضا بالرّذل من الكلام اللائق بسفهاء العوامّ ، ويتحرّجوا من إرسال قول يبقى وصمة على [ مدى الأيّام ] إذ لا فرق بين جرح اللَّسان وجرح اليد ، وقد نطق بها المثل ؛ لما في ذلك من الترفّع عن دنايا الأمور الَّتي لا يتنازل إليها الكرماء ، والتنزّه عن المساقط الَّتي لا يستعملها الأدباء ، وصيانة المروءة عما يشينها ويخدشها ، وتوقيرها عما ينقصها ، والأمن من الجواب الذي ربّما قدح في النفس وأثّر ، وأحمى الصدر وأوغر ، ونقل عن التّوادد إلى التّضادد ، وعن التّداني إلى التّباعد ، وقد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين عليّ كرّم اللَّه وجهه بقوله من أبياته المنسوبة إليه ( متقارب ) . فربّ كلام يمضّ الحشا وفيه من الضّحك ما يستطاب مع مراعاة السلامة من المداخلة المنطوية على الغلّ ، والمراآة المبنيّة على المكر ، إذا لم يكن للمقابلة على الابتداء الممضّ بالجواب المريض ، وغير ذلك مما لا تؤمن عاقبته ، ولا تحسن عائدته . قال : ويكون المستعمل في هذا الفنّ ما خفّ موقعه ، ولطف موضعه ، وهشّ له سامعه ، وتلقّاه الوارد عليه مستحليا لثماره ، مستدعيا لأنظاره ، ولا يعدل به عن سمت الصّدق ، وطريق الحقّ ، ومذهب التحرّز من المذق ( 1 ) ، ويقتصر فيه على النادرة المستطرفة ، والنّكتة المستظرفة ، واللَّمعة المستحسنة ، والفقرة المستغربة ، دون الإطالة المملَّة ، ولا يجعل المزح غالبا على الكلام ، مداخلا لجميع الأقسام ، فإنّ ذلك يفسد معاني المكاتبة ، ويحيل نظام المخاطبة ، ويضع من معناها وإن كان شريفا ، ويوخم لفظها وإن كان لطيفا ، ويذهب بجدّها في مذهب الهزل ويميله عن القصد ؛ وإلى ذلك يشير بعضهم بقوله ( طويل ) . أفد طبعك المكدود بالجدّ راحة بلهو وعلَّله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما يعطى الطَّعام من الملح
--> ( 1 ) يقال : فلان يمذق الودّ إذا لم يخلصه ، فهو مذّاق أي كذوب ، ومماذق : غير مخلص . انظر لسان العرب والصحاح في اللغة والعلوم ، مادة ( مذق ) .