أحمد بن علي القلقشندي

216

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ببقائه الدهر وشنّف بمدحه أذنه . المملوك ينهي إلى علمه وصول مشرّفه الذي تنزهّت الأعين في حسن منظره ، ويانع ثمار لفظه البديع ووشي أسطره ، وأنه استنشق من ريحه أطيب نفحة ، وتقمّص منه ثوبي دعة وصحّة ، فشفى داء شفّ منه جسمه ، وزاد لوروده سروره وزال همّه ، وعلم إنعام المولى الذي لا يشكّ فيه ، وإحسانه الذي لا يحصره لسان مادح ولا يحصيه ، وما ذكره من الألم الملمّ به واشتغال خاطره الكريم لما ألمّ بجسمه ، والمرض بسعادة المولى قد بقي منه قلَّه ، وتقلَّص بعدما امتدّ ظلَّه ، والعافية تتكمّل إن شاء اللَّه تعالى برؤية محيّاه الكريم ومشاهدته ، والمثول بين يديه العاليتين في خدمته . النوع الخامس عشر ( في الذّمّ ) ذمّ بخيل لأحمد ( 1 ) بن يوسف : كأنّ البخل والشّؤم صارا معا في سهمه ، وكانا قبل ذلك في قسمه ، فحازهما بالوراثة ، واستحقّ ما استملك منهما بالشّفعة ، وأشهد على حيازتهما أهل الدّين والأمانة ، حتّى خلصا له من كلّ مانع ، وسلما له من تبعة كلّ منازع ، فهو لا يصيب إلَّا مخطيا ، ولا يحسن إلَّا ناسيا ، ولا ينفق إلَّا كارها ، ولا ينصف إلَّا صاغرا . وفي مثله : وصل كتابك فرأيناك قد حلَّيته بزخارف أوصافك ، وأخليته من حقائق إنصافك ، وأكثرت فيه الدّعاوى على خصمك ، من غير برهان أتيت به على دعواك وزعمك .

--> ( 1 ) هو الكاتب أبو جعفر أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح ، مولى بني عجل . ولي ديوان الرسائل للمأمون ، وكان من أفاضل كتّابه ، جيّد الكلام ، فصيح اللسان ، حسن اللفظ . توفي سنة 213 ه . وذهب ابن كثير إلى أن وفاته في سنة 214 ه . انظر تاريخ بغداد ( ج 5 ص 217 - 218 ) والفهرست ص 135 ، 137 ، 139 - 140 ، 118 ، والعقد الفريد ( ج 4 ص 165 ) ، والبداية والنهاية ( ج 10 ص 269 ) والأعلام ( ج 1 ص 272 ) .