أحمد بن علي القلقشندي

209

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المملوك كتاب من شرّفه ، وسمع ألفاظه الَّتي بلطفها أتحفه ، بل بردائها على البرد ألحفه ، تقدّم بإجابة سؤاله ، وترتيبه في جهة تليق بأمثاله ، وقمّصه من العناية قميصا لا يبلى ، وجمع لخاطره والدّعة شملا ، وهذا حسب إشارة المولى الَّتي لا تخالف ، وأمره الذي يقف كلّ أحد عنده ولا يستوقف ولا يواقف ( 1 ) . كتاب إلى مريض بالسؤال عنه من كلام المتأخرين ( مجزوء الكامل ) . حاشى مزاجك من أذى وكريم جسمك من وصب ( 2 ) يا غاية المأمول والمرجوّ ، يا كلّ الطَّلب مذ غبت عنّي لم أزل من بعد بعدك في نصب ( 3 ) جفني غريق بالدّموع وماء صبري قد نضب واللَّه ما لي في البقاء وأنت ناء من أرب فترى ( 4 ) أبشّر سيّدي أنّ اللَّقاء قد اقترب ؟ حرس اللَّه مزاج المولى ! وأصار العافية له شعارا ، والصّحّة له دثارا ، ولا زالت ساكنة في جوانحه ، مقيمة حشو أعضائه المباركة وجوارحه . أصدرها المملوك تعرب عن شوق يكلّ عن وصفه اللَّسان ، وتوق لا يحسن وصفه البنان ، ولا عج يعجز عن حمل بعضه الجنان ، ملتمسا المواصلة بأخباره ، وواصفا ما يجده القلب من ألم الشوق وناره ، وشاكيا من جور أيّام الفراق ، وراجيا أن يبشّر بالإبلال من مرضه والإفراق ، وداعيا إلى اللَّه بتعجيل أيّام التّلاق . ومع ذلك فلو رمت أن أشرح كلّ ما أجده من الصّبابة لأسأمت

--> ( 1 ) هذا آخر ما حقّه التقديم بعد النوع الرابع وقبل الخامس . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) الوصب ، بفتحتين : المرض . مختار الصحاح ( وصب ) . ( 3 ) النصب ، بفتحتين : التعب ؛ يقال : نصب الرجل نصبا إذا تعب . الصحاح في اللغة والعلوم ، مادة ( نصب ) . ( 4 ) مراده : ليس أبشّر ، ولعله تصحيف من الكاتب . حاشية الطبعة الأميرية .