أحمد بن علي القلقشندي
207
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
زال فضله كاملا ، وإحسانه إلى الأولياء واصلا ، ونواله لبني الآمال شاملا . المملوك يخدم أحسن من نور الرّبا ، وثناء ألطف من ريح الصّبا ، وسلام أطيب بمروره من تذكَّر أيّام الصّبا . وينهي ورود الكتاب الذي طاب بالمولى محتده ( 1 ) ونجاره ، وزاد على كتائب الكتب فخاره ، وأنه وقف عليه وقوف مشتاق إلى مرسله ، شاكر أنعم فضله وجسيم تفضّله ، فأسكرته تلك الفصاحة بشذاها الأرج ، ونزّهت لحظه في درّ لفظها البهج ، فظنّها لمّا استنشق رائحتها راحا قرقفا ( 2 ) ، ولمّا أبهجه لفظها بألفاظ تزهي على الرّياض روضة أنفا ( 3 ) ، وعلم الإشارة الكريمة في معنى فلان والوصيّة بخدمته ، وما أمر به من مساعدته ومساعفته ، وعند وصول مشرّف المولى وقبل وضعه من يده ، نوى المملوك مساعدة المذكور على مقصده ، فتقدّم بإحضار غريمه فوجده عن البلد غائبا ، فانتظره إلى أن عاد آئبا ، فعند وصوله طلبه وأحضره ، وسأله عمّا يدّعيه عليه خصمه فأنكره ، وطلب الحضور إلى القاضي ( 4 ) ، وحثّ على ذلك حتّى أوهم أنه المتقاضي ، فلمّا رأى المملوك أن حجّة المشفوع فيه لا تقوم بصدق دعواه وحجج ، ولا يظهر بها على غريمه إلا من طريق حرج ، بذل في مصالحتهما جهد الاجتهاد ، وما زال يرشدهما إلى طريق الرّشاد ، ويدلَّهما على سبيل السّداد ، ويعرّفهما أن التضارر ضير ، وأنّ الصّلح خير ، فكل منهما يهيم في واد ، ويسلق خصمه بألسنة حداد ، إلى أن تراضيا
--> ( 1 ) المحتد : الأصل ، والطبع . القاموس المحيط ( حتد ) . والنجار ، بكسر النون وضمها : الأصل . القاموس المحيط ( نجر ) . ( 2 ) القرقف ، كجعفر : الخمر يرعد عنها صاحبها . القاموس المحيط ومختار الصحاح ( قرقف ) . ( 3 ) الروضة الأنف بضمتين : الَّتي لم يرعها أحد كأنه استونف رعيها . مختار الصحاح ( أنف ) . ( 4 ) القاضي عبارة عمّن يتولَّى فصل الأمور بين المتداعيين في الأحكام الشرعية . ووظيفته قديمة كانت في زمن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذ ولَّى القضاء باليمن علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري ، وأن أبا بكر ولَّى القضاء عمر بن الخطاب . انظر ج 5 من هذا المطبوع ص 451 .