أحمد بن علي القلقشندي
196
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إحسانه حتّى صارت ضربة لازب ، فلا يخلو مجلس من إظهار تغيّر عادة وطَّد الجود أساسها ، وانتقاض قاعدة أبرم الكرم أمراسها ، فينقطع سلوكا للأدب وتخفيفا عن الخواطر ، ويتلقّى ما يصدر بقلب شاك ولسان شاكر ، فإن كان قد عزم مولاه على طرده ، وعوّضه عن منحة القرب المحنة ببعده ، فإنه يأبى ذلك جوده ولطفه ، ومعرفة يشكر ويزيد ، لا يمكن صرفه ، ولو جاز الصّرف لمجرّد ( 1 ) بالعبودية لمنعه العدل من سيّده ، والحلم الذي عرف من كريم محتده ( 2 ) ، فكان المملوك يستحسن في حبره وسبره ، ويعوّض عن مقابلته بجبره ، فقد صار سمينه غثّا وشحمه ورما ، وحديثه رثّا وسهله علما ( طويل ) . وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة كما أنّ عين السّخط تبدي المساويا وما ثمّ بحمد اللَّه ما يوجب ذلك ولا بعضه ، ولا يحدث ذمّ المملوك وبغضه ، ولو بدا منه زلل ، أو لمح منه خطل ، فمكارم مولانا أوسع من إبقاء ذلك في صدور الصّدور ، و [ أحرى ب ] - محو آيات السيّئات فإنه لمن عزم الأمور . وله : يخدم بدعائه ، وصادق ولائه ، وينهي أنه انكسر خاطره ، وأرق جفنه وناظره ، وتضاعف بلباله ، وتزايدت في النّقص أحواله ، مذ تأخّرت الأمثلة الكرام وانقطعت عنه بانقطاعها المنن الجسام ، وهو يسأل العفو عن ذنب وقع ، وتشريفه بمثال يرفع من قدره ما وضع ، واستعمال الصّفح عنه كسائر عاداته ، وإجراءه على اللَّطف الذي ألفه من تفضّلاته ، فقد ضعف صبر المملوك وجنانه ، وتفرّق للفراق جفنه وإنسانه ، وصغر قدره ، وأهمل جانبه وممّن أمر بإهانته فخره ، ولهذا ضاقت عليه المسالك ، وكان لسان حاله [ ينشد ] في ذلك ( كامل ) . وأهنتني فأهنت نفسي عامدا ما من يهون عليك ممّن يكرم
--> ( 1 ) بياض بالأصل ، ولعله : « لمجرد الشك بالعبودية » . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) المحتد : الأصل ، والطبع . لسان العرب والقاموس المحيط ، مادة ( حتد ) .