أحمد بن علي القلقشندي

190

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المملوك لا يعصم من زلل ، ولا يسلم من خلل ، اللَّهمّ إلَّا أن يكون مولانا أراد من المملوك تقويمه وتأديبه ، وإصلاحه وتهذيبه ، ليحسن أثره في خدمته ، ويسلك السبيل الواضح في تباعته ، فلا أعدم اللَّه المملوك تثقيفه ، ولا سلبه تبصيره وتعريفه ، وإن كان ذلك لشكّ عرض من المملوك ( 1 ) في وداده ، وارتياب خامر في حسن اعتقاده ، فأعيذه باللَّه من القطع بالشّبهات ، والعمل بمنغل ( 2 ) السّعايات ، ومولانا خليق بأن يطلع من أنس المملوك ما غرب ، وينبط من سروره ما نضب ، ويعيده لرضاه ، ويجريه على ما أحمده منه وأرضاه . رقعة : ليس المملوك يرفع مولانا في إعراضه ، إلَّا إلى فضله ، ولا يحاكمه على انقباضه ، إلَّا إلى عدله ، ولا يستعين عليه إلَّا بما يستمليه من آدابه ، ولا يناظره إلَّا بما أخذه عنه من محافظته وإيجابه ، إذ كان المملوك مذ وصلته السعادة بحباله ، ناسجا على منواله ، متقبّلا شرائف خلاله . وما عهدته عمر اللَّه معاهده ، وكبت حاسده ، يغضب تقليدا قبل الاختبار ، ويحوج البريء إلى موقف الاعتذار ، ولا سيّما إذا كان المظنون به عالما بشروط الكرم ؛ عارفا بمواقع النّعم ، لا ينسخ الشكر بالكفر ، ولا يتعوّض عن الحمد بالجحد ، وقد عرف مولانا ثناء المملوك على تفضاله ، ووقف على بلائه لأعماله ، وهو وفيّ بربّ عوارفه وصنائعه ، وتثمير ما رهن لديه من ودائعه ، وتنزيه سمعه عن الإصغاء إلى ما يختلقه حاسد ، ويصوغه كائد ، وقد حكَّم المملوك على نفسه نقده الذي لا يبهرج عليه ولا يدلَّس ، وكشفه الذي لا يغطَّى عليه ولا يلبّس ، فليحكّ أفعال المملوك على محكّ بصيرته ، وليجل في تأمّل مقاصده طرف فكرته ، فإنه ممن لا تحيله الأحوال ولا تحوّله ، ولا تغيّره الغير ولا تبدّله ، إن شاء اللَّه تعالى .

--> ( 1 ) لعله : « للمولى » . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) يقال : أنغلهم حديثا سمعه : نمّ إليهم به ، وأنغل بينهم : أفسد ونمّ . لسان العرب والقاموس المحيط ، مادة ( نغل ) .