أحمد بن علي القلقشندي
187
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فيرجّيه ، ولا يفقده فيرغب فيه ، والذي تربّه من المملوك جوارحه ، وتحويه جوانحه ، علمه بأنه لا يجاري أياديه ، ولا يجازي مساعيه ، واللَّه تعالى يخصّه من الفضائل ، بمثل ما تبرّع به من الفواضل . رقعة : ومثل مولانا من [ ذوي الشّرف ( 1 ) ] والسّودد من حسن محضره ، وطاب محبره ، وكرم غيبه ومشهده ، وصحّ على تغاير الأحوال عقده وودّه ، وقد اتّصل بالمملوك ما أعاره له مولانا من أوصافه ، وجرى فيه على عادة فضله وإنصافه ، فطفق لفضله شاكرا ، ولطوله ناشرا ، وأضاف ذلك إلى توالد إحسانه ، ونظمه في عقد امتنانه . رقعة : قد طوّق مولانا [ مملوكه ] من فضله طوقا كأطواق الحمائم لا ينزع ، وألبسه بردا من برّه لا يخلع ، وأولاه من مزيده ما قصّرت الهمّة عن تمنّيه ، ولم تهتد القريحة إليه فتستدعيه ، ولو وجد المملوك جزاء على عارفته ، وكفاء لمثوبته ، غير الموالاة الصّريحة ، وعقد الضمائر على المودّة الصحيحة ، واللَّهج بالشّكر ، في السّر والجهر ، لرمى من وراء عنايته ، ولا استبعد طول شقّته ، ولكن المملوك عادم لما يقابل به يده الغرّاء ، عاجز عمّا يقضي به حقّ موهبته الزّهراء ، ما لم يحسن كرمه أمره ، ويقبل منه على التقصير شكره ، ويضف ذلك إلى لطائفه ، وينظمه في سلك عوارفه ، إن شاء اللَّه تعالى . رقعة : واجتهاد المملوك في نشر أياديه وشكرها ، كاجتهاد مولانا في كتمانها وسترها ، فكلَّما أبديتها بالثّناء أخفاها ، أو نشرتها بالإشادة طواها ، وهيهات أن يخفى عرف كعرف المسك نشرا ، ومنّ كالروضة نورا والغزالة نورا ، ولو كان المملوك والعياذ باللَّه ستر هذا العرف بكفر ، واغتمصه مانعا لشكر ، لنمّ عليه حسنه نموم الصّباح ، وتوقّد توقّد المصباح ، فكيف وللمملوك مقول لا يسامى [ يعجم سواد ] ( 2 ) الليالي بالإحماد ، ويرقم صفحات النهار بالاعتداد ؟
--> ( 1 ) بياض في الأصل ، والتصحيح من المقام . حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) في الأصل : « ولا يسامي الليالي » . وزدنا ما يقتضيه المقام ويتمّم الكلام . حاشية الطبعة الأميرية .