أحمد بن علي القلقشندي

174

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أن تكون مبنيّة من صفة الحال المشكية ، على ما يوجب المشاركة فيها ويقضي بالمساعدة إن استدعيت عليها ، من غير إغراق يفضي إلى تظليم الأقدار وإحباط الأجر ، وشكوى المبتلي بالخير والشرّ سبحانه وتعالى ، ويدلّ على التهالك بالجزع ، وضعف التماسك وقوّة الهلع ، باستيلاء القنوط والإياس ، وأن يشفع الشكوى بذكر الثقة باللَّه سبحانه ، والتسليم إليه ، والرّضا بأحكامه ، وتوقّع الفرج من عنده ، وتلقّي اختباره بالصبر ، كما تتلقّى نعمه بالشكر ، ونحو هذا مما يليق به ويجري مجراه . قال : وقد يكتب الأتباع للرؤساء رقاعا بشكاية الأحوال ومساءلة النظر ، ثم ذكر أنّ سبيل هذه الرّقاع أن يعدل بها عن التصريح بالشّكوى إلى لفظ الشّكر ومعناه ، وطلب الزيادة والإلحاق بالنّظراء في الإحسان ، لما في إطلاق الشكاية ، والتصريح بها من التعريض بإخلال الرئيس بما يلزمه النظر فيه من أحوال خاصّتهم وتعهّد مرافقهم من الكفاية . وهذه نسخ من ذلك : رقعة شكوى هموم : كتب المملوك هذا الكتاب وهو رهين فكر وغمّ ، وقلق وهمّ ، وحليف جوّى قد سكن القلب ، وخوف قد أطار اللَّبّ ، وباللَّه العياذ ، وهو الملاذ ، وبيده تحلّ العقدة ، وبأمره تزول الشّدّة ، وقد ألهم اللَّه سبحانه المملوك صبرا يسّر أمره ، وأملا في الفرج خفّف ضرّه ، وليس بآئس من عطفته ، ولا قانط من نعمته . رقعة في معنى ذلك : كتب المملوك وهو شاك لتجاهل الأيام ، وقيذ ( 1 ) من مواقع سهامها الرّغيبة الكلام ، منهوم بهموم تضعف الجليد ، وتسوء الوديد ، وتسرّ الحسود ، لاق من قسوة الدهر وفظاظته ، ونبوة العيش ونفرته ، ما يردّ الجفون عن

--> ( 1 ) الوقيذ : الشديد المرض ؛ يقال : وقذه : ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت ، وصرعه ، وتركه عليلا . القاموس المحيط ومختار الصحاح ( وقذ ) .