أحمد بن علي القلقشندي
169
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
أصدق المقال ، ما حقّقه الفعال ، وأفضل الخبر ، ما صدّقه الأثر . ومنه : لمولانا سيرة في الفضل والإحسان ما أمّلها آمل إلَّا جادت وسخت ومنحت ، وعوائد في العفو ما رجاها راج إلَّا صفحت وسمحت ، وأحقّ من تلقّاه عند العثار ، بالإقالة والاغتفار ، ووقف به عند حدّ التقويم والإصلاح ، ولم يعرّضه لنقيصة الإقصاء والاطَّراح ، من شفع الهفوة بالاعتذار ، وخطب التغمّد بلسان الإقرار ، ودلَّت التجارب منه على حسم الأضرار ، وكان له من سالف الخدم وسائل وذرائع ، ومن صحيح الإخلاص ممهّد وشافع ، فلا عجب أنّ المملوك يهفو فيعفو ، ويظلم فيكظم ، ويجهل فيحلم ، ويخطيء فيصيب ، ويدعو متنصّلا فيجيب ، وقد جعل اللَّه سهمه المعلَّى ، ويده الطَّولى ، وألهمه التفضّل بالإنعام ، والتغميض عن زلَّات الكرام ، وقد حصل للمملوك في هذه النّبوة من إزرائه على عقله ، وتقبيحه لفعله ، أعظم تجربة ، وأكبر مأدبة ، والمملوك يسأل إحسان سيّدي أن يعيده إلى رضاه ولطفه ، ويؤنس منه مستوحش إقباله وعطفه ، ويصدّق رجاءه فيه ، ويجزل ثواب وفادته عليه ، إن شاء اللَّه تعالى . رقعة : المملوك يخطب صفح سيّده وإقالته بلسان الاغتفار ، ويستعيد ما عرف من رضاه وعاطفته بوسائل الاعتذار ، ليكون المتفضّل في كلّ الحالات ، والمنعم من كلّ الجهات ، وقد عرف السّهو والنّسيان ، المعترضين للإنسان ، وأنّهما يحولان بينه وبين قلبه ، ويزوّران عليه خطأه في صورة صوابه ، فيتورّط في السّقط غير عامد ، ويتهوّر في الغلط غير قاصد ، وقد قال اللَّه تعالى : * ( لا يُؤاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ولكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الأَيْمانَ ( 1 ) * ( ) * . وما أولى مولانا بأن يحفظ على المملوك جميل آرائه ، ولا يسلبه ما شمله من ظلّ آلائه ، ولا يسمه بميسم العقوق فإنه يجد نفسه بخلاف ذلك في طاعته ، ومرتبتها بغير هذه الرتبة في خدمته . فصل : وقد آوى سيدي المملوك من ظله ، وأعلقه من حبله ، وأسبغ عليه
--> ( 1 ) سورة المائدة 5 ، الآية 89 .