أحمد بن علي القلقشندي
165
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
تعيّنت الإجابة إلى ما يصلح به حالها ، ويسكن إليه بالها ، ويتوفّر به مالها ، ويعمر به فناؤها ، ويحصل به عن تقلَّد المنن استغناؤها ، وتحمل به كلفة خدمها عنها ، وتدفع به ضرورات لا بدّ لذوات الحجاب والحجال منها ، ويصفو به ستر الإحصان والحصانة عليها ، ويظهر به سرّ ما أوجبه اللَّه لها من تتبّع مواقع الإحسان إليها . وقد تقدّم من سادات السّلف من تولَّى ذلك لوالدته بنفسه ، واعتدّه من أسباب برّ يومه الذي قابل به ما أسلفته إليه في أمسه ، علما منهم أنّ استكمال البرّ مما يعلي قدر المرء ويغلي ، وقد أجاب زيد ( 1 ) بن زيد العابدين هشاما لمّا سأله : لم زوّجت أمّك بعد أبيك ؟ فقال : لتبشّر بآخر مثلي ، لا سيّما والراغب [ إلى المولى ] ( 2 ) في ذلك ممن يرغب في قربه ، ويغبط على ما لديه من نعم ربّه ، ويعظَّم لاجتماع دنياه ودينه ، ويكرم ليمن نقيبته وجود يمينه ، ويعلم أنّ العقيلة تحلّ منه في أمنع حرم ، وتستظلّ من ذراه بأضفى ستور الكرم ، مع ارتفاع حسبه ، واشتهار نسبه ، وعلوّ قدره في منصبه وحاله وسببه ، وأنه ممن يحسن أن يحلّ من المولى محلّ والده ، وأن يتجمّل من ذرّيته بمن يكون في الملمّات بنانا ليده وعضدا لساعده ، فإنّ المرء كثير بأخيه ، وإذا أطلق عليه بحكم المجاز لفظ العمومة ، فإن عمّ الرجل صنو أبيه ، وأنا أتوقّع من المولى الجواب بما يجمع شمل التّقى ، ويعلم به أنه تخيّر من البرّ أفضل ما ينتقى ، ويتحقّق بفعله
--> ( 1 ) هو أبو الحسين زيد بن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ؛ وفد على الخليفة هشام بن عبد الملك ، فرأى منه جفوة ، فكانت سبب خروجه وطلبه الخلافة ، وسار إلى الكوفة في سنة 122 ه ، ودعا إلى نفسه ، فقام إليه منها شيعة ، فظفر به يوسف بن عمر الثقفي ، والي العراقين يومئذ ، فقتله وصلبه بكناسة الكوفة سنة 122 ه ، وقيل : سنة 123 ه ، وقيل : سنة 121 ه ، وله اثنتان وأربعون سنة ، وقيل : أربع وأربعون سنة ، ثم أحرقه بالنار ، ولم يزل مصلوبا إلى سنة 126 ه . ولقد سمّي أصحابه بالزيدية . انظر مروج الذهب ( ج 3 ص 206 - 207 ) ، ووفيات الأعيان ( ج 5 ص 122 ) ، وفوات الوفيات ( ج 2 ص 35 - 38 ) والأعلام ( ج 3 ص 59 ) . ( 2 ) الزيادة من حسن التوسل . انظر حاشية الأميرية .