أحمد بن علي القلقشندي
159
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
اختطاب المودّة ومفاتحة المكاتبة من كلام المتأخرين : الشيخ جمال الدين بن نباتة : وضاعف للممالك ببقائه الانتفاع ، وبارتقائه الارتفاع ، وسرّ بمحاسن نظره وخبره العيان والسّماع . ولا زال للمحبّين من ودّه عطف المتلطَّف وللأعداء من بأسه خطف الشّجاع ، أصدرها المملوك منطوية على ما عهد من صدق المحبّة ، ووفاء العهود المستتبّة ، ودرر المحامد الَّتي لا تسوى ( 1 ) لديها درر العقود حبّة ، مبدية لعلمه الكريم أنّ المودّات إذا صفت ، والقلوب إذا تجنّدت وتعارفت ، حثّت المحبّين في البعاد على المفاتحة بكتبهم ورسائلهم ، والمخاطبة في ظلال الأوراق بألسنة أقلامهم من لهوات أناملهم ، إيثارا لتجديد الأنس وإن صحّ الميثاق ، وتذكارا لخواطر الودّ ، وإن رسخت منه الأصول ونمت الأعراق ، ولذلك فاتح بها مخاطبا ، وارتقب لمناديها بالأخبار السارّة مجاوبا ، نائبة عنه في مشاهدة الوجه الكريم ، ومصافحة اليد في حديث برّها القديم ، تستطلع أخباره ، وتستعرض أوطاره ، وتحيّي بالسلام وجهه وعهده ودياره ، على يد فلان ، وقد حمل من المودّات والمشافهات ما يعيده على السّمع الكريم المنعم بإصغائه ، المصغي بنعمائه ، المتحف بالمهمّات الَّتي يحصل فوز القيام بها ، والمشرّفات الَّتي كلّ أسباب السّرور متصل بسببها ، واللَّه تعالى يبهج من تلقائه سمعا ونظرا ، ويبقي عيش حاسده هشيما وعيش محبّيه نضرا ، ويديم رياض ذكره تالية على المسامع : * ( فَأَخْرَجْنا مِنْه خَضِراً ) * ( 2 ) . أجوبة اختطاب المودّة قال في « موادّ الليان » : لا يخلو من يرام ذلك منه من أن يجيب أو يعتلّ ،
--> ( 1 ) لا تسوى : لا تساوي ؛ يقال : هذا الشيء لا يساوي كذا أي لا يسوى كذا ، وهذا لا يساويه أي لا يعادله . مختار الصحاح والقاموس المحيط ( سوا ) . ( 2 ) سورة الأنعام 6 ، الآية 99 .