أحمد بن علي القلقشندي

155

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

عروس ، أو معاطاة كؤوس ، ما بين نخيل قد نشرت عذب السّندس على ذراها ، وأطلعت طلعا كالخناجر غشيها صداها ، ونارنج يحمل أكبر العقيان ، أو وجنات القيان ، وأترجّ ( 1 ) قد استعار ثمرة أشواق العشّاق ، إذا صالت عليهم يد الفراق . ومن ريضان ( 2 ) زاهية بنشرها ، وقضبها مختالة في ملابس زهرها ، ونرجسها كعين محبّ حدّق إلى الحبيب ، وثنى جيده خوف الرّقيب ، إذا عبث به النّسيم جمع بين كلّ قضيب وإلفه ، وسعى بالاعتناق من شوقه وكلفه ، ووردها كمداهن ياقوت فيها نضار ، وشقيقها كمدامات عقيق فيها صوار ( 3 ) ، وبنفسجها فخذ تمضي فيه من القرص آثار ، أو جام لجين عليه من النّدى نثار . ومن أنهار قدّت حافاتها قدّ الأديم ، وحدّت على صراط مستقيم ، بجرة مسجورة ، كالسّيوف المشهورة أو المهارق المنشورة ، إذا خمشها الهوى خلع عليها متون المبارد ، أو سلوخ الأساود ، يتخرّق ذلك كلَّه نسيم رقيق الغلائل ، حلو الشمائل ، يسعى بالنّميم ، في المعاطس والشّميم ، انصبّت إلى مجلس فسيح البناء ، ضيّق الأقناء ، موشّى الجدران والسّماء ، في صدره شاذروان ( 4 ) يرمي بكسر البلَّور ، وفي وسطه نهر ينساب ماؤه انسياب الشّجاع المذعور ، وتتوسّطه بركة منمنمة ينصبّ الماء إليها بالدّوالي إلى أربع شاذروانات ، ويخرج عنها من أربع فطيمات ، يحتفّها كلّ شجر مثمر ، وروض مزهر ، فقلت : هذا المراد الذي

--> ( 1 ) الأترجّ والأترجّة ، بضم الهمزة والراء وسكون التاء وتشديد الجيم فيهما : ثمر شجر من جنس الليمون ، حامضه مسكن غلمة النساء ؛ ويجلو اللون والكلف ، وقشره في الثياب يمنع السوس . القاموس المحيط ومختار الصحاح ، مادة ( ترج ) . ( 2 ) الريضان والرياض والروضات : جمع روضة ، وهي البستان الحسن ، أو الأرض ذات الخضرة . لسان العرب ( روض ) . ( 3 ) الصّوار ، بضم الصاد وكسرها : الرائحة الطيبة ، أو القليل من المسك ، والجمع أصورة ، فارسي لسان العرب ( صور ) . ( 4 ) الشاذروان ، بكسر الذال وسكون الراء : صفّة حول البناء متصلة به ، كشاذروان الكعبة المشرّفة ، أو هو صفّة تحيط به فارغة من البناء وهو جذرها . وبعبارة أوضح هو ما ترك من عرض الأساس خارجا ويسمّى التأزير . انظر معجم متن اللغة ( ج 3 ص 294 ) .