أحمد بن علي القلقشندي
150
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يا منية النّفس ويا مالكي مذغبت عنّي لم تنم مقلتي . إن بنت عن عيني برغمي فقد سكنت في قلبي وفي مهجتي لا أوحش اللَّه من طلعته ، ولا أخلى من كريم مساعدته ، وجمع شمل الأنس بخدمته . المملوك يشكو من المولى فراقا أوجب له على نفسه فرقا ( 1 ) وجيش صدود منحه من العزائم طوائف وفرقا ، وداء صبابة كلَّما ترجّى الإفراق ( 2 ) منه ازداد تلهّبا وحرقا ، ووجوب قلب تحتّم لغيبته ووجب ، ودمع عين يمحو مهما عبّر عنه لسان قلمه أو كتب ، وقد أطال الهجر تألَّمه وعتبه ، وأطار سنته ولبّه ، مذ وصل المولى غيره وقطع عنه كتبه ، والمولى يعلم أنّ المملوك لفظ والمولى معناه ، وسعده شخص وأنت وجهه الميمون ويمناه ، فيواتر إرسال مكاتباته ، ويتحف بمأثوره ولباناته ، ويعطَّر بذكره الجميل الأماكن ويشنّف المسامع ، كما شرّف بحلوله فيها الأضالع ، واللَّه يديمه ويمدّه بالإسعاف والإسعاد ، وينصره على الأضداد والحسّاد ( وافر ) . أقاسي من بعادك ما أقاسي وقلبك راحم وعليّ قاسي وأحمل من نواك بضعف نفس عناء يعجز الشّمّ الرّواسي وتبعدني وأمرك إن أتاني جعلت محلَّه عيني ورأسي قرّب اللَّه أوبته ، وعجّل رؤيته ، وحرس نفسه من الغير والحادثات ، وصان حجابه المنيع عن الملمّات المؤلمات ، وجمّل الأيام بوجوده ، والأنام بجوده ، ولا زالت الدنيا به مجمّلة ، وأعناق أبنائها لمننه متحمّلة .
--> ( 1 ) الفرق ، بالفتح : الخوف . لسان العرب ( فرق ) . ( 2 ) الإفراق : البرء ؛ يقال : أفرق المريض والمحموم : برأ ، ولا يكون إلَّا من مرض يصيب الإنسان مرة واحدة كالجدريّ والحصبة وما أشبههما . لسان العرب ( فرق ) .