أحمد بن علي القلقشندي

127

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

يكمّل نشاطنا ، ويتمّم انبساطنا ، فليعقر همومنا بشيء من عقاره ، وينظم [ جمعنا ] في سلك أياديه ومبارّه ، إن شاء اللَّه تعالى . النوع الرابع ( الشّفاعات والعنايات ) قال في « موادّ ( 1 ) البيان » : وهذه الكتب إنما تصدر عن ذوي الرّتب والأخطار ، والمنازل والأقدار ، الذين يتوسّل بجاههم إلى نيل المطلوب ودرك الرغائب . قال : والملتمس فيها ممن تنفّذ إليه أحد ثلاثة أنواع ؛ إمّا بذل ماله ولا يبذل ماله إلَّا ذو مروءة يفرض على نفسه حقّا فيه لقاصديه ، وإما بذل جاهه وفي بذل الجاه إراقة ماء الوجه والتعرّض لموقف الرّدّ ، وإمّا الاستنزال عن سخيمة وموجدة في النزول عنهما كفّ حدّ الغضب وغضّ طرف الحنق ، وهما صعبان إلَّا على من فضل حلمه ، ولطف فهمه . ثم قال : والكاتب يحتاج إلى التلطَّف فيهما وإيداعهما من الخطاب ما يخرج به الشافع عن صورة المثقّل على المشفوع إليه بما كلَّفه إيّاه ، ويؤدّي إلى بلوغ غرض المشفوع له ونجاح مطلبه ، ثم أتبع ذلك أن قال : وسبيل ما كان في استماحة المال ، أن يبنى على الإبانة عن موقع الإفضال ، وفضيلة النّوال ، واغتنام فرص الاقتدار ، في معونة الأحرار ، وما جارى هذا - وسبيل ما كان منهما في طلب الانتفاع بالجاه أن يبنى على هزّ الأريحيّة لاصطناع الصّنائع ، وتحمّل المشاقّ في تقليد المنن ، وادّخار الفعل الحسن ، واغتنام الأجر والشّكر - وسبيل ما كان منهما في الاستنزال عن السخائم أن يبنى على الملاطفة ، والإشارة إلى فضيلة الحلم والصّفح عن الخاطيء ، وما في ذلك من حسن السّمعة في العاجلة ، ومتوفّر المثوبة في الآجلة ، ونحو ذلك .

--> ( 1 ) انظر الحاشية رقم 1 ص 3 من هذا الجزء .