أحمد بن علي القلقشندي
99
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
من المغارم ، وهاد من المكارم ، فانشرحت صدورهم ، وصلحت أمورهم . والحمد للَّه الذي ثلّ محالّ الباغين ومجالهم ، وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم ، وأخذهم بما احتقبوا من المآثم ، واكتسبوا من الجرائم واستحلَّوا من المحارم ، وأباحوا من المسكرات ، وأذاعوا من المنكرات ، وطالما أصبح ربعهم معدن الفسوق ، وموطن العقوق ، ومقطن إضاعة الحقوق ، لا سيّما في أيام المسرور بهناته ، المغرور بما سوّل له الشيطان وأملى له من ترّهاته ، المشهور بقتل أبيه ، المأثور من مثالبه ومعايبه بما لم يأت الدّهر له بشبيه ، ولقد طبّقت الآفاق معاصيه ، وبلغت أخبار خيانته من بأطراف المعمور وأقاصيه ، ولكنّ اللَّه تعالى أملى له ليكثّر مآثمه ، حتّى إذا شاء أخذه أخذ القرى وهي ظالمة . والحمد للَّه الذي طهّر بأيدينا هذه الأرجاء من أرجاسه ، ورحض ( 1 ) عنها بأيدينا أوضار أدناسه وأنجاسه ، وأتاح لأهلها بهلاك هذا المريد المراد ، وأراح منه ومن شيعته البلاد والعباد ، ولو لم ( 2 ) يكن إلَّا ما نال الحجّاج من تعنّيه وتعدّيه ، وطال عليهم من تعرّضه لهم وتصدّيه ، حتّى حجز عن الحجاز الشريف قصّاده ، وحجر بقطع السبيل عن بيت اللَّه الحرام من أراده ، فكم سلب الحجّاج ، وسدّ عليهم المسالك والفجاج ، وفرّق فريقهم ، وعوّق طريقهم . والآن بحمد اللَّه حقّت الحقائق ، وارتفعت العوائق ، وصحّ العليل ، ووضح السبيل ، وتسهّل المرام ، وتيسّر القصد إلى البيت الحرام ، مكان ترده الزّوّار عليكم أرسالا ، ووفود الأبرار للسّلم خفافا وثقالا ، يأتون من كلّ فجّ عميق ، ويقضون ما يقضون من مناسكهم ، آمنين في مسالكهم ، إلى البيت العتيق ، وهكذا أيضا خلا وجهنا لجهاد الرّوم ، ولإعداد من يغزونهم في عقر دارهم للقصد المروم ، وأن نجدّد من هذا العمل بجزيرة الأندلس حماها اللَّه تعالى ما لسلفنا بها سلف ، ونبدّد من شمل عبّاد الصليب ما لخلفهم بفضل اللَّه تعالى خير خلف ، فعمل الجهاد ، بهذه البلاد ، هو
--> ( 1 ) أي أزال أوضار أدناسه ، يقال : رحض الثوب : غسله . والأوضار : الأوساخ . ( 2 ) لم يذكر في الكلام جواب لو ، ولكنه معلوم أي تكفي . حاشية الطبعة الأميرية .