أحمد بن علي القلقشندي
67
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الملك ، فأضفى علينا من جلابيب ألطافه ولطائفه ، ما حقّق به آمالنا في جزيل آلائه وعوارفه ، وجلَّى هذه المملكة علينا ، وأهدى عقيلتها إلينا ، فاجتمع عندنا في قوريليان ( 1 ) المبارك - وهو المجتمع الذي تقدح فيه الآراء - جميع الإخوان والأولاد والأمراء الكبار ، ومقدّمو العساكر ، وزعماء البلاد ، واتّفقت كلمتهم على تنفيذ ما سبق به حكم أخينا الكبير ، في إنفاذ الجمّ الغفير ، من عساكرنا التي ضاقت الأرض برحبها من كثرتها ، وامتلأت الأرض رعبا من عظيم صولتها ، وشديد بطشتها ، إلى تلك الجهة بهمة تخضع لها صمّ الأطواد ، وعزمة تلين لها الصّمّ الصّلاد ، ففكَّرنا فيما تمخّضت زبد عزائمهم عنه ، واجتمعت أهواؤهم عليه ، فوجدناه مخالفا لما كان في ضميرنا من اقتفاء الخير العامّ ، الذي هو عبارة عن تقوية شعار الإسلام ، وأن لا يصدر عن أوامرنا ما أمكننا إلَّا ما يوجب حقن الدّماء ، وتسكين الدّهماء ، وتجري به في الأقطار ، رخاء نسائم الأمن والأمان ، ويستريح به المسلمون في سائر الأمصار ، في مهاد الشّفقة والإحسان ، تعظيما لأمر اللَّه ، وشفقة على خلق اللَّه ، فألهمنا اللَّه تعالى إطفاء تلك النائرة ( 2 ) ، وتسكين الفتن الثائرة ، وإعلام من أشار بذلك الرأي بما أرشدنا اللَّه إليه ، من تقديم ما يرجى به شفاء مزاج العالم من الأدواء ، وتأخير ما يجب أن يكون آخر الدواء ، وأننا لا نحبّ المسارعة إلى هزّ النّصال للنّضال إلَّا بعد إيضاح المحجّة ، ولا نبادر لها إلَّا بعد تبيين الحق وتركيب الحجّة ، وقوّى عزمنا على ما رأيناه من دواعي الصّلاح ، وتنفيذ ما ظهر لنا به وجه النجاح ، إذ كان ، الشيخ قدوة العارفين « كمال الدين عبد الرحمن » الذي هو نعم العون لنا في أمور الدين ، فأرسلناه رحمة من اللَّه لمن [ لبّى ] دعاه ، ونقمة على من أعرض عنه وعصاه ، وأنفذنا أقضى القضاة قطب الملة والدّين ، والأتابك بهاء الدين ، اللَّذين هما من ثقات هذه الدولة الزاهرة ليعرّفوهم طريقتنا ، ويتحقّق
--> ( 1 ) القور : ج قارة ، وهي الأصاغر من الجبال والأعاظم من الآكام ، وهي متفرقة خشنة كثيرة الحجارة . لسان العرب ( قور ) . ( 2 ) النائرة : الهائجة ؛ يقال : نارت نائرة في الناس : هاجت هائجة . لسان العرب ( نار ) .