أحمد بن علي القلقشندي
20
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
قلت : قد تقدّم في صدر الكلام على المكاتبات ذكر أصول يعتمدها الكاتب في كتبه تعمّ الكتب السلطانية وغيرها ، وأنا أذكر هنا ما يختصّ منها بالكتب الصادرة عن السلطان على النّمط الجاري عليه الاصطلاح الآن ليسهل القصد إليها لقربها ، ويحصل الغرض من ذلك ، بذكر [ تسعة ] أمور : أوّلها - مقادير قطع الورق ، قد تقدّم في الكلام على مقادير قطع الورق المستعملة في دواوين الإنشاء جملة ، والذي يختص منها بالكتب الصادرة عن السلطان أربعة مقادير : أحدها - قطع البغداديّ الكامل ، وقد مرّ أنه يكتب فيه للقانات . وثانيها - قطع النّصف ، وفيه يكتب إلى أكابر الملوك ممّن دون القانات . وثالثها - قطع الثّلث ، وفيه يكتب إلى الرتبة الثانية من الملوك . ورابعها - قطع العادة ، وفيه يكتب إلى أصاغر الملوك والولاة وغيرهم . الثاني - العنوان ؛ قد تقدّم في مقدّمة الكتاب أنّ الذي كان يكتب عنوانات الكتب السلطانية في الزمن المتقدّم هو صاحب ديوان الإنشاء دون غيره ، أما الآن ، فإنّ كاتب كلّ كتاب صار هو الذي يكتب عنوانه بنفسه . وقد جرت العادة في عامة الكتب السلطانية أن يكون المكتوب فيها هي ألقاب المكتوب إليه ونعوته التي في صدر المكاتبة في الباطن ، ثم يدعى للمكتوب إليه في آخر الألقاب بالدّعوة التي صدّر بها الدعاء في الصدر مثل : أعزّ اللَّه أنصاره ، أو ضاعف اللَّه نعمته ، وما أشبه ذلك من الأدعية التي تفتتح بها المكاتبات ، فإن كان الكتاب مفتتحا بالحمدلة أو بلفظ من فلان ، كتب في العنوان الألقاب التي في صدر الكتاب بعد ذلك ، ثم بعد الدعاء يخلَّي بياضا قليلا ، ثم يذكر تعريف المكتوب إليه ، مثل « صاحب فلانة » ونحو ذلك مما تقدم ذكره من التعريفات . وتكون كتابة العنوان بنظير قلم الباطن في الدّقة والغلظ . وتكون أسطره متصلة من أوّل عرض الدّرج إلى آخره ، وأسطره متلاصقة متتالية .